بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ أَ لَمْ نَشرَحْ لَك صدْرَك (1) وَوَضعْنَا عَنك وِزْرَك (2) الّذِى أَنقَض ظهْرَك (3) وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرَك (4) فَإِنّ مَعَ الْعُسرِ يُسرًا (5) إِنّ مَعَ الْعُسرِ يُسرًا (6) فَإِذَا فَرَغْت فَانصب (7) وَإِلى رَبِّك فَارْغَب (8)
أمر بالنصب في الله والرغبة إليه توصل إليه بتقدمة الامتنان والسورة تحتمل المكية والمدنية وسياق آياتها أوفق للمدنية.
وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن الضحى وأ لم نشرح سورة واحدة ، ويروى ذلك أيضا عن طاووس وعمر بن عبد العزيز قال الرازي في التفسير الكبير بعد نقله عنهما والذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى:"أ لم نشرح لك"كالعطف على قوله:"أ لم يجدك يتيما"وليس كذلك لأن الأول كان نزوله حال اغتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من إيذاء الكفار فكانت حال محنة وضيق صدر ، والثاني يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب فأنى يجتمعان انتهى.
وفيه أن المراد بشرح صدره (صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية جعله بحيث يسع ما يلقى إليه من الحقائق ولا يضيق بما ينزل عليه من المعارف وما يصيبه من أذى الناس في تبليغها كما سيجيء لا طيب القلب والسرور كما فسره.
ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لقد سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله قلت: أي رب أنه قد كان أنبياء قبلي منهم من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى. قال: فقال: أ لم أجدك يتيما فآويتك؟ قال: قلت: بلى قال: أ لم أجدك ضالا فهديتك؟ قال: قلت: بلى أي رب. قال: أ لم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قال: قلت: بلى أي رب ، وللكلام تتمة ستوافيك في تفسير سورة الإيلاف إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"أ لم نشرح لك صدرك"قال الراغب: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال: شرحت اللحم وشرحته ومنه شرح الصدر أي بسطته بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه قال تعالى:"رب اشرح لي صدري""أ لم نشرح لك صدرك""فمن شرح الله صدره"انتهى.
وترتب الآيات الثلاث الأول في مضامينها ثم تعليلها بقوله:"فإن مع العسر يسرا"الظاهر في الانطباق على حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوائل دعوته وأواسطها وأواخرها ثم تكرار التعليل ثم تفريع آيتي آخر السورة كل ذلك يشهد على كون المراد بشرح صدره (صلى الله عليه وآله وسلم) بسطه بحيث يسع ما يلقى إليه من الوحي ويؤمر بتبليغه وما يصيبه من المكاره والأذى في الله ، وبعبارة أخرى جعل نفسه المقدسة مستعدة تامة الاستعداد لقبول ما يفاض عليها من جانب الله تعالى.
قوله تعالى:"و وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك"الوزر الحمل الثقيل ، وإنقاض الظهر كسره بحيث يسمع له صوت كما يسمع من السرير ونحوه عند استقرار شيء ثقيل عليه ، والمراد به ظهور ثقل الوزر عليه ظهورا بالغا.
ووضع الوزر إذهاب ما يحس من ثقله وجملة:"و وضعنا عنك وزرك"معطوفة على قوله:"أ لم نشرح"إلخ لما أن معناه قد شرحنا لك صدرك.
والمراد بوضع وزره (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما يفيده السياق - وقد أشرنا إليه - إنفاذ دعوته وإمضاء مجاهدته في الله بتوفيق الأسباب فإن الرسالة والدعوة وما يتفرع على ذلك هي الثقل الذي حمله إثر شرح صدره.
وقيل: وضع الوزر إشارة إلى ما وردت به الرواية أن ملكين نزلا عليه وفلقا صدره وأخرجا قلبه وطهراه ثم رداه إلى محله وستوافيك روايته.
وقيل: المراد بالوزر ما صدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة ، وقيل: غفلته عن الشرائع ونحوها مما يتوقف على الوحي مع تطلبه ، وقيل: حيرته في بعض الأمور كأداء حق الرسالة ، وقيل: الوحي وثقله عليه في بادىء أمره ، وقيل: ما كان يرى من ضلال قومه وعنادهم مع عجزه عن إرشادهم ، وقيل: ما كان يرى من تعديهم ومبالغتهم في إيذائه ، وقيل: همه لوفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة ، وقيل: الوزر المعصية ورفع الوزر عصمته ، وقيل: الوزر ذنب أمته ووضعه غفرانه.
وهذه الوجوه بعضها سخيف وبعضها ضعيف لا يلائم السياق ، وهي بين ما قيل به وبين ما احتمل احتمالا.