19 سورة مريم - 16 - 40
وَاذْكُرْ في الْكِتَبِ مَرْيمَ إِذِ انتَبَذَت مِنْ أَهْلِهَا مَكانًا شرْقِيّا (16) فَاتخَذَت مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشرًا سوِيّا (17) قَالَت إِنى أَعُوذُ بِالرّحْمَنِ مِنك إِن كُنت تَقِيّا (18) قَالَ إِنّمَا أَنَا رَسولُ رَبِّكِ لأَهَب لَكِ غُلَمًا زَكيّا (19) قَالَت أَنى يَكُونُ لى غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسسنى بَشرٌ وَلَمْ أَك بَغِيّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبّكِ هُوَ عَلىّ هَينٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنّاسِ وَرَحْمَةً مِّنّا وَكانَ أَمْرًا مّقْضِيّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَت بِهِ مَكانًا قَصِيّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاض إِلى جِذْع النّخْلَةِ قَالَت يَلَيْتَنى مِت قَبْلَ هَذَا وَكنت نَسيًا مّنسِيّا (23) فَنَادَاهَا مِن تحْتهَا أَلا تحْزَنى قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تحْتَكِ سرِيّا (24) وَهُزِّى إِلَيْكِ بجِذْع النّخْلَةِ تُسقِط عَلَيْكِ رُطبًا جَنِيّا (25) فَكلِى وَاشرَبى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمّا تَرَيِنّ مِنَ الْبَشرِ أَحَدًا فَقُولى إِنى نَذَرْت لِلرّحْمَنِ صوْمًا فَلَنْ أُكلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّا (26) فَأَتَت بِهِ قَوْمَهَا تحْمِلُهُ قَالُوا يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شيْئًا فَرِيّا (27) يَأُخْت هَرُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سوْءٍ وَمَا كانَت أُمّكِ بَغِيّا (28) فَأَشارَت إِلَيْهِ قَالُوا كَيْف نُكلِّمُ مَن كانَ في الْمَهْدِ صبِيّا (29) قَالَ إِنى عَبْدُ اللّهِ ءَاتَاخَ الْكِتَب وَجَعَلَنى نَبِيّا (30) وَجَعَلَنى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كنت وَأَوْصنى بِالصلَوةِ وَالزّكوةِ مَا دُمْت حَيّا (31) وَبَرّا بِوَلِدَتى وَلَمْ يجْعَلْنى جَبّارًا شقِيّا (32) وَالسلَمُ عَلىّ يَوْمَ وُلِدت وَيَوْمَ أَمُوت وَيَوْمَ أُبْعَث حَيّا (33) ذَلِك عِيسى ابْنُ مَرْيمَ قَوْلَ الْحَقِّ الّذِى فِيهِ يَمْترُونَ (34) مَا كانَ للّهِ أَن يَتّخِذَ مِن وَلَدٍ سبْحَنَهُ إِذَا قَضى أَمْرًا فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35) وَإِنّ اللّهَ رَبى وَرَبّكمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مّستَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَف الأَحْزَاب مِن بَيْنهِمْ فَوَيْلٌ لِّلّذِينَ كَفَرُوا مِن مّشهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسمِعْ بهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظلِمُونَ الْيَوْمَ في ضلَلٍ مّبِينٍ (38) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَْسرَةِ إِذْ قُضىَ الأَمْرُ وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) إِنّا نحْنُ نَرِث الأَرْض وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)
انتقال من قصة يحيى إلى قصة عيسى (عليه السلام) وبين القصتين شبها تاما فولادتهما على خرق العادة ، وقد أوتي عيسى الرشد والنبوة وهو صبي كيحيى ، وقد أخبر أنه بر بوالدته وليس بجبار شقي وأن السلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا كما أخبر الله عن يحيى (عليه السلام) بذلك إلى غير ذلك من وجوه الشبه وقد صدق يحيى بعيسى وآمن به.
قوله تعالى:"و اذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا"المراد بالكتاب القرآن أو السورة فهي جزء من الكتاب وجزء الكتاب كتاب والاحتمالان من حيث المال واحد فلا كثير جدوى في إصرار بعضهم على تقديم الاحتمال الثاني وتعيينه.
والنبذ - على ما ذكره الراغب - طرح الشيء الحقير الذي لا يعبأ به يقال نبذه إذا طرحه مستحقرا له غير معتن به ، والانتباذ الاعتزال من الناس والانفراد.
ومريم هي ابنة عمران أم المسيح (عليه السلام) ، والمراد بمريم نبأ مريم وقوله:"إذ"ظرف له ، وقوله:"انتبذت"إلى آخر القصة تفصيل المظروف الذي هو نبأ مريم ، والمعنى واذكر يا محمد في هذا الكتاب نبأ مريم حين اعتزلت من أهلها في مكان شرقي ، وكأنه شرقي المسجد.
قوله تعالى:"فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا"الحجاب ما يحجب الشيء ويستره عن غيره ، وكأنها اتخذت الحجاب من دون أهلها لتنقطع عنهم وتعتكف للعبادة كما يشير إليه قوله:"كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا": آل عمران: 37 وقد مر الكلام في تفسير الآية.