و قيل: إنها كانت تقيم المسجد حتى إذا حاضت خرجت منها وأقامت في بيت زكريا حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي في مشرفة لها في ناحية الدار وقد ضربت بينها وبين أهلها حجابا لتغتسل إذ دخل عليها جبرائيل في صورة شاب أمرد سوي الخلق فاستعاذت بالله منه.
وفيه أنه لا دليل على هذا التفصيل من جهة اللفظ ، وقد عرفت أن آية آل عمران لا تخلو من تأييد للمعنى السابق.
وقوله:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا"ظاهر السياق أن فاعل"تمثل"ضمير عائد إلى الروح فالروح المرسل إليها هو المتمثل لها بشرا سويا ومعنى تمثله لها بشرا ترائيه لها ، وظهوره في حاستها في صورة البشر وهو في نفسه روح وليس ببشر.
وإذ لم يكن بشرا وليس من الجن فقد كان ملكا بمعنى الخلق الثالث الذي وصفه الله سبحانه في كتابه وسماه ملكا ، وقد ذكر سبحانه ملك الوحي في كلامه وسماه جبريل بقوله:"من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك": البقرة: 97 وسماه روحا في قوله:"قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 102 وقوله:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194"وسماه رسولا في قوله:"إنه لقول رسول كريم": الحاقة: 40"، فبهذا كله يتأيد أن الروح الذي أرسله الله إليها إنما هو جبريل.
وأما قوله:"إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم - إلى أن قال - قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون": آل عمران: 47.
فتطبيقه على الآيات التي نحن فيها لا يدع ريبا في أن قول الملائكة لمريم ومحاورتهم معها المذكور هناك هو قول الروح لها المذكور هاهنا ، ونسبة قول جبريل إلى الملائكة من قبيل نسبة قول الواحد من القوم إلى جماعتهم لاشتراكهم معه في خلق أو سنة أو عادة ، وفي القرآن منه شيء كثير كقوله تعالى:"يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": المنافقون: 8 ، والقائل واحد.
وقوله:"و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء": الأنفال: 32 ، والقائل واحد.
وإضافة الروح إليه تعالى للتشريف مع إشعار بالتعظيم ، وقد تقدم كلام في معنى الروح في تفسير قوله تعالى:"يسألونك عن الروح": الآية الإسراء: 85.
ومن التفسير الردي قول بعضهم إن المراد بالروح في الآية عيسى (عليه السلام) وضمير تمثل عائد على جبريل.
وهو كما ترى.
ومن القراءة الردية قراءة بعضهم"روحنا"بتشديد النون على أن روحنا اسم الملك الذي أرسل إلى مريم ، وهو غير جبريل الروح الأمين.
وهو أيضا كما ترى.
كلام في معنى التمثل
كثيرا ما ورد ذكر التمثل في الروايات ، وأما في الكتاب فلم يرد ذكره إلا في قصة مريم في سورتها قال تعالى:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا"الآية: - 17 من السورة ، والآيات التالية التي يعرف فيها جبريل نفسه لمريم خير شاهد أنه كان حال تمثله لها في صورة بشر باقيا على ملكيته ولم يصر بذلك بشرا ، وإنما ظهر في صورة بشر وليس ببشر بل ملك وإنما كانت مريم تراها في صورة بشر.
فمعنى تمثله لها كذلك ظهوره لها في صورة بشر وليس عليها في نفسه بمعنى أنه كان في ظرف إدراكها على صورة بشر وهو في الخارج عن إدراكها على خلاف ذلك.
وهذا هو الذي ينطبق على معنى التمثل اللغوي فإن معنى تمثل شيء لشيء في صورة كذا هو تصوره عنده بصورته وهو هو لا صيرورة الشيء شيئا آخر فتمثل الملك بشرا هو ظهوره لمن يشاهده في صورة الإنسان لا صيرورة الملك إنسانا ، ولو كان التمثل واقعا في نفسه وفي الخارج عن ظرف الإدراك كان من قبيل صيرورة الشيء شيئا آخر وانقلابه إليه لا بمعنى ظهوره له كذلك.
واستشكل أمر هذا التمثل بأمور مذكورة في التفسير الكبير وغيره.
أحدها: أن جبريل شخص عظيم الجثة حسبما نطقت به الأخبار فمتى صار في مقدار جثة الإنسان فإن تساقطت أجزاؤه الزائدة على مقدار جثة الإنسان لزم أن لا يبقى جبريل ، وإن لم تتساقط لزم تداخلها وهو محال.
الثاني: أنه لو جاز التمثل ارتفع الوثوق وامتنع القطع بأن هذا الشخص الذي يرى الآن هو زيد الذي رئي بالأمس لاحتمال التمثل.