3 سورة آل عمران - 61 - 63
فَمَنْ حَاجّك فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكمْ وَنِساءَنَا وَنِساءَكُمْ وَأَنفُسنَا وَأَنفُسكُمْ ثُمّ نَبْتهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَت اللّهِ عَلى الْكذِبِينَ (61) إِنّ هَذَا لَهُوَ الْقَصص الْحَقّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللّهُ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلّوْا فَإِنّ اللّهَ عَلِيمُ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ، الفاء للتفريع ، وهو تفريع المباهلة على التعليم الإلهي بالبيان البالغ في أمر عيسى بن مريم (عليهما السلام) مع ما أكده في ختمه بقوله: الحق من ربك فلا تكن من الممترين.
والضمير في قوله: فيه راجع إلى عيسى أو إلى الحق المذكور في الآية السابقة.
وقد كان البيان السابق منه تعالى مع كونه بيانا إلهيا لا يرتاب فيه مشتملا على البرهان الساطع الذي يدل عليه قوله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم الآية ، فالعلم الحاصل فيه علم من جهة البرهان أيضا ، ولذلك كان يشمل أثره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من كل سامع فلو فرض تردد من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحيا إلهيا لم يجز الارتياب فيه من جهة كونه برهانا يناله العقل السليم ، ولعله لذلك قيل: من بعد ما جاءك من العلم ولم يقل: من بعد ما بيناه لهم.
وهاهنا نكتة أخرى وهي أن في تذكيره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعلم تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله ، وأن ربه ناصره وغير خاذله البتة.
قوله تعالى: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ، المتكلم مع الغير في قوله: ندع ، غيره في قوله: أبناءنا ونساءنا وأنفسنا فإنه في الأول مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام والنصرانية ، وفي الثاني وما يلحق به من جانب الإسلام ، ولذا كان الكلام في معنى قولنا: ندع الأبناء والنساء والأنفس فندعو نحن أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وتدعون أنتم أبناءكم ونساءكم وأنفسكم ، ففي الكلام إيجاز لطيف.
والمباهلة والملاعنة وإن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول الله وبين رجال النصارى لكن عممت الدعوة للأبناء والنساء ليكون أدل على اطمينان الداعي بصدق دعواه وكونه على الحق لما أودعه الله سبحانه في قلب الإنسان من محبتهم والشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه ، ويركب الأهوال والمخاطرات دونهم ، وفي سبيل حمايتهم والغيرة عليهم والذب عنهم ، ولذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الإنسان بالنسبة إليهم أشد وأدوم.
ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بقوله: ندع أبناءنا وأبناءكم"الخ"ندع نحن أبناءكم ونساءكم وأنفسكم ، وتدعوا أنتم أبناءنا ونساءنا وأنفسنا.
وذلك لإبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء والنساء في المباهلة.
وفي تفصيل التعداد دلالة أخرى على اعتماد الداعي وركونه إلى الحق ، كأنه يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة الله على الكاذبين حتى يشمل اللعن والعذاب الأبناء والنساء والأنفس فينقطع بذلك دابر المعاندين ، وينبت أصل المبطلين.
وبذلك يظهر أن الكلام لا يتوقف في صدقه على كثرة الأبناء ولا على كثرة النساء ولا على كثرة الأنفس فإن المقصود الأخير أن يهلك أحد الطرفين بمن عنده من صغير وكبير ، وذكور وإناث ، وقد أطبق المفسرون واتفقت الرواية وأيده التاريخ: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حضر للمباهلة ولم يحضر معه إلا علي وفاطمة والحسنان (عليه السلام) فلم يحضر لها إلا نفسان وابنان وامرأة واحدة وقد امتثل أمر الله سبحانه فيها.