3 سورة آل عمران - 19 - 25
إِنّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الاسلَمُ وَمَا اخْتَلَف الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِئَايَتِ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ سرِيعُ الحِْسابِ (19) فَإِنْ حَاجّوك فَقُلْ أَسلَمْت وَجْهِىَ للّهِ وَمَنِ اتّبَعَنِ وَقُل لِّلّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَالأُمِّيِّينَ ءَ أَسلَمْتُمْ فَإِنْ أَسلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وّ إِن تَوَلّوْا فَإِنّمَا عَلَيْك الْبَلَغُ وَاللّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ (20) إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسطِ مِنَ النّاسِ فَبَشرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئك الّذِينَ حَبِطت أَعْمَلُهُمْ في الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نّصِرِينَ (22) أَ لَمْ تَرَ إِلى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكتَبِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتَبِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمّ يَتَوَلى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مّعْرِضونَ (23) ذَلِك بِأَنّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسنَا النّارُ إِلا أَيّامًا مّعْدُودَتٍ وَغَرّهُمْ في دِينِهِم مّا كانُوا يَفْترُونَ (24) فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْب فِيهِ وَوُفِّيَت كلّ نَفْسٍ مّا كسبَت وَهُمْ لا يُظلَمُونَ (25)
الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب وهم آخر الفرق الثلاث التي تقدم أنها عرضة للكلام في هذه السورة ، وأهمهم بحسب قصد الكلام أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ففيهم وفي أمرهم نزل معظم السورة وإليهم يعود.
قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام ، قد مر معنى الإسلام بحسب اللغة وكان هذا المعنى هو المراد هاهنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغيا بينهم فيكون المعنى: أن الدين عند الله سبحانه واحد لا اختلاف فيه لم يأمر عباده إلا به ، ولم يبين لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلا إياه ، ولم ينصب الآيات الدالة إلا له وهو الإسلام الذي هو التسليم للحق الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل ، وبعبارة أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام ، وهو وإن اختلف كما وكيفا في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة إلا أمرا واحدا وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي ، والتفاضل بينها بالدرجات ، ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله.
فهذا هو الدين الذي أراده الله من عباده وبينه لهم ، ولازمه أن يأخذ الإنسان بما تبين له من معارفه حق التبين ، ويقف عند الشبهات وقوف التسليم من غير تصرف فيها من عند نفسه وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدين مع نزول الكتاب الإلهي عليهم ، وبيانه تعالى لما هو عنده دين وهو الإسلام له فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر وكون الدين واحدا بل كانوا عالمين بذلك ، وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته لا بالله فإنهم يعترفون به ، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته: أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحيوة عنه ، وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار.
والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين: أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين.
ومما تقدم يظهر أولا: أن المراد بكون الدين عند الله وحضوره لديه سبحانه هو الحضور التشريعي بمعنى كونه شرعا واحدا لا يختلف إلا بالدرجات وبحسب استعدادات الأمم المختلفة دون كونه واحدا بحسب التكوين بمعنى كونه واحدا مودعا في الفطرة الإنسانية على وتيرة واحدة.
وثانيا: أن المراد بالآيات هو آيات الوحي ، والبيانات الإلهية التي ألقاها إلى أنبيائه دون الآيات التكوينية الدالة على الوحدانية وما يزاملها من المعارف الإلهية.