و الآية تشتمل على تهديد أهل الكتاب بما يستدل عليه بالبغي وهو الانتقام ، كما يشتمل قوله تعالى في الآيات السابقة: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم الآية على تهديد المشركين والكفار ، ولعل هذا هو السبب في أنه جمع أهل الكتاب والمشركين معا في الآية التالية في الخطاب بقوله: قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم"الخ"، وفيه إشعار بالتهديد أيضا.
قوله تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ، الضمير في حاجوك راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن يقولوا: إن اختلافنا ليس لبغي منا بعد البيان بل إنما هو شيء ساقنا إليه عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في تحصيل العلم بحقائق الدين من غير أن ندع التسليم لجانب الحق سبحانه وأن ما تراه وتدعو إليه يا محمد من هذا القبيل ، أو يقولوا ما يشابه ذلك ، والدليل على ذلك قوله: فقل: أسلمت وجهي لله ، وقوله: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم ، فإن الجملتين حجة سيقت لقطع خصامهم وحجاجهم لا إعراض عن المحاجة معهم.
ومعناها مع حفظ ارتباطها بما قبلها: إن الدين عند الله الإسلام لا يختلف فيه كتب الله ولا يرتاب فيه سليم العقل ، ويتفرع عليه أن لا حجة عليك في إسلامك وأنت مسلم ، فإن حاجوك في أمر الدين فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين ثم سلهم: أ أسلموا فإن أسلموا فقد اهتدوا وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك ولا حجة عليهم ولا مخاصمة بعد ذلك بينكم ، وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا ينبغي الخصام في أمر ضروري ، وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه ، وما عليك إلا البلاغ.
وقد أشرك سبحانه في الآية بين أهل الكتاب والأميين بقوله: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم ، لكون الدين مشتركا بينهم وإن اختلفوا في التوحيد والتشريك.
وقد علق الإسلام على الوجه - وهو ما يستقبلك من الشيء أو الوجه بالمعنى الأخص لكون إسلام الوجه لاشتماله على معظم الحواس والمشاعر إسلاما لجميع البدن - ليدل على معنى الإقبال والخضوع لأمر الرب تعالى ، وعطف قوله: ومن اتبعن حفظا لمقام التبعية وتشريفا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم إلى آخر الآية ، المراد بالأميين المشركين سموا بذلك لتسمية من وضع في مقابلهم بأهل الكتاب ، وكذا كان أهل الكتاب يسمونهم كما حكاه تعالى من قوله:"ليس علينا في الأميين سبيل": آل عمران - 75 والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ.
وفي قوله تعالى: وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد دلالة أولا: على النهي عن المراء والإلحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر الضروري لا تكون إلا مراء ولجاجا في البحث.
وثانيا: على أن الحكم في حق الناس والأمر مطلقا إلى الله سبحانه ، وليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى:"ليس لك من الأمر شيء": آل عمران - 128 ، وقال تعالى:"لست عليهم بمصيطر: الغاشية - 23."
وثالثا: على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله: والله بصير بالعباد ، بعد قوله: فإنما عليك البلاغ لا يخلو من ذلك ويدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية ، وهو قوله تعالى:"قولوا آمنا بالله إلى أن قال: ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم": البقرة - 137 ، تذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي ويطيب نفسه ، فالآية أعني قوله:"و إن تولوا فإنما عليك البلاغ ، كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم وبين ربهم ، وإرجاع أمرهم إليه ، وهو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم."
ومن هنا يظهر: أن ما ذكره بعض المفسرين ، أن في الآية دليلا على حرية الاعتقاد في أمر الدين وأن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت مسوقة لغير ذلك.