و قوله: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج امتنان منه تعالى على المؤمنين بأنهم ما كانوا لينالوا سعادة الدين من عند أنفسهم وبحولهم غير أن الله من عليهم إذ وفقهم فاجتباهم وجمعهم للدين ، ورفع عنهم كل حرج في الدين امتنانا سواء كان حرجا في أصل الحكم أو حرجا طارئا عليه اتفاقا فهي شريعة سهلة سمحة ملة أبيهم إبراهيم الحنيف الذي أسلم لربه.
وإنما سمي إبراهيم أبا المسلمين لأنه (عليه السلام) أول من أسلم لله كما قال تعالى: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين: البقرة: 131 ، وقال حاكيا عنه (عليه السلام) : فمن تبعني فإنه مني: إبراهيم: 36 فنسب اتباعه إلى نفسه ، وقال أيضا: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام: إبراهيم: 35 ، ومراده ببنيه المسلمون دون المشركين قطعا وقال: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا: آل عمران: 68.
وقوله: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا امتنان ثان منه تعالى على المؤمنين بعد الامتنان بقوله: هو اجتباكم فالضمير له تعالى وقوله: من قبل أي من قبل نزول القرآن وقوله: وفي هذا أي وفي هذا الكتاب وفي امتنانه عليهم بذكر أنه سماهم المسلمين دلالة على قبوله تعالى إسلامهم.
وقوله: ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس المراد به شهادة الأعمال وقد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة الآية 143 وغيرها وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث الاجتباء ونفي الحرج وتسميتهم مسلمين.
وقوله: فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله تفريع على جميع ما تقدم مما امتن به عليهم أي فعلى هذا يجب عليكم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة - وهو إشارة إلى العمل بالأحكام العبادية والمالية - وتعتصموا بالله في جميع الأحوال فأتمروا بكل ما أمر به وتنتهوا عن جميع ما نهى عنه ولا تنقطعوا عنه في حال لأنه مولاكم وليس للعبد أن ينقطع عن مولاه في حال ولا للإنسان الضعيف أن ينقطع عن ناصره - بوجه على الاحتمالين في معنى المولى -.
فقوله: هو مولاكم في مقام التعليل لما قبله من الحكم ، وقوله: فنعم المولى ونعم النصير كلمة مدح له تعالى وتطييب لنفوس المؤمنين وتقوية لقلوبهم بأن مولاهم ونصيرهم هو الله الذي لا مولى غيره ولا نصير سواه.
واعلم أن الذي أوردناه من معنى الاجتباء وكذا الإسلام وغيره في الآية هو الذي ذكره جل المفسرين بالبناء على ظاهر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا في صدر الكلام وشموله عامة المؤمنين وجميع الأمة.
وقد بينا غير مرة أن الاجتباء بحقيقة معناه يساوق جعل العبد مخلصا - بفتح اللام - مخصوصا بالله لا نصيب لغيره تعالى فيه ، وهذه صفة لا توجد إلا في آحاد معدودين من الأمة دون الجميع قطعا ، وكذا الكلام في معنى الإسلام والاعتصام ، والمعنى بحقيقته مراد في الكلام قطعا.
وعلى هذا فنسبة الاجتباء والإسلام والشهادة إلى جميع الأمة توسع من جهة اشتمالهم على من يتصف بهذه الصفات بحقيقتها نظير قوله في بني إسرائيل: وجعلكم ملوكا: المائدة: 20 ، وقوله فيهم: وفضلناهم على العالمين: الجاثية: 16 ونظائره كثيرة في القرآن.
عن جوامع الجامع ،: في قوله تعالى: فلا ينازعنك في الأمر روي أن بديل بن ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله يعنون الميتة.
أقول: سياق الآية لا يساعد عليه.
وفي الكافي ، بإسناده عن عبد الرحمن بياع الأنماط عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كانت قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر ، وكان يغوث قبال الباب ويعوق عن يمين الكعبة ، وكان نسر عن يسارها ، وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا ليغوث ولا ينحنون ثم يستديرون بحيالهم إلى يعوق ثم يستديرون عن يسارها بحيالهم إلى نسر ثم يلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قال: فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله ، وأنزل الله عز وجل: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له الآية.