فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 4314

2 سورة البقرة - 186

وَإِذَا سأَلَك عِبَادِى عَنى فَإِنى قَرِيبٌ أُجِيب دَعْوَةَ الدّاع إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لى وَلْيُؤْمِنُوا بى لَعَلّهُمْ يَرْشدُونَ (186)

قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ، أحسن بيان لما اشتمل عليه من المضمون وأرق أسلوب وأجمله فقد وضع أساسه على التكلم وحده دون الغيبة ونحوها ، وفيه دلالة على كمال العناية بالأمر ، ثم قوله: عبادي ، ولم يقل: الناس وما أشبهه يزيد في هذه العناية ، ثم حذف الواسطة في الجواب حيث قال: فإني قريب ولم يقل فقل إنه قريب ، ثم التأكيد بإن ، ثم الإتيان بالصفة دون الفعل الدال على القرب ليدل على ثبوت القرب ودوامه ، ثم الدلالة على تجدد الإجابة واستمرارها حيث أتى بالفعل المضارع الدال عليهما ، ثم تقييده الجواب أعني قوله: أجيب دعوة الداع بقوله: إذا دعان ، وهذا القيد لا يزيد على قوله: دعوة الداع المقيد به شيئا بل هو عينه ، وفيه دلالة على أن دعوة الداع مجابة من غير شرط وقيد كقوله تعالى:"ادعوني أستجب لكم": المؤمن - 60 ، فهذه سبع نكات في الآية تنبىء بالاهتمام في أمر استجابة الدعاء والعناية بها ، مع كون الآية قد كرر فيها - على إيجازها - ضمير المتكلم سبع مرات ، وهي الآية الوحيدة في القرآن على هذا الوصف.

والدعاء والدعوة توجيه نظر المدعو نحو الداعي ، والسؤال جلب فائدة أو در من المسئول يرفع به حاجة السائل بعد توجيه نظره ، فالسؤال بمنزلة الغاية من الدعاء وهو المعنى الجامع لجميع موارد السؤال كالسؤال لرفع الجهل والسؤال بمعنى الحساب والسؤال بمعنى الاستدرار وغيره.

ثم إن العبودية كما مر سابقا هي المملوكية ولا كل مملوكية بل مملوكية الإنسان فالعبد هو من الإنسان أو كل ذي عقل وشعور كما في الملك المنسوب إليه تعالى.

وملكه تعالى يغاير ملك غيره مغايرة الجد مع الدعوى والحقيقة مع المجاز فإنه تعالى يملك عباده ملكا طلقا محيطا بهم لا يستقلون دونه في أنفسهم ولا ما يتبع أنفسهم من الصفات والأفعال وسائر ما ينسب إليهم من الأزواج والأولاد والمال والجاه وغيرها ، فكل ما يملكونه من جهة إضافته إليهم بنحو من الأنحاء كما في قولنا: نفسه ، وبدنه ، وسمعه ، وبصره ، وفعله ، وأثره ، وهي أقسام الملك بالطبع والحقيقة وقولنا: زوجه وماله وجاهه وحقه ، - وهي أقسام الملك بالوضع والاعتبار - إنما يملكونه بإذنه تعالى في استقرار النسبة بينهم وبين ما يملكون أيا ما كان وتمليكه فالله عز اسمه ، هو الذي أضاف نفوسهم وأعيانهم إليهم ولو لم يشاء لم يضف فلم يكونوا من رأس ، وهو الذي جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ، وهو الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا.

فهو سبحانه الحائل بين الشيء ونفسه ، وهو الحائل بين الشيء وبين كل ما يقارنه: من ولد أو زوج أو صديق أو مال أو جاه أو حق فهو أقرب إلى خلقه من كل شيء مفروض فهو سبحانه قريب على الإطلاق كما قال تعالى:"و نحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون:"الواقعة - 85 ، وقال تعالى:"و نحن أقرب إليه من حبل الوريد": ق - 16 ،"و قال تعالى إن الله يحول بين المرء وقلبه": الأنفال - 24 ، والقلب هو النفس المدركة.

وبالجملة فملكه سبحانه لعباده ملكا حقيقيا وكونهم عبادا له هو الموجب لكونه تعالى قريبا منهم على الإطلاق وأقرب إليهم من كل شيء عند القياس وهذا الملك الموجب لجواز كل تصرف شاء كيفما شاء من غير دافع ولا مانع يقضي أن لله سبحانه أن يجيب أي دعاء دعا به أحد من خلقه ويرفع بالإعطاء والتصرف حاجته التي سأله فيها فإن الملك عام ، والسلطان والإحاطة واقعتان على جميع التقادير من غير تقيد بتقدير دون تقدير لا كما يقوله اليهود: إن الله لما خلق الأشياء وقدر التقادير تم الأمر ، وخرج زمام التصرف الجديد من يده بما حتمه من القضاء ، فلا نسخ ولا بداء ولا استجابة لدعاء لأن الأمر مفروغ عنه ، ولا كما يقوله جماعة من هذه الأمة: أن لا صنع لله في أفعال عباده وهم القدرية الذين سماهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجوس هذه الأمة فيما رواه الفريقان من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : القدرية مجوس هذه الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت