بل الملك لله سبحانه على الإطلاق ولا يملك شيء شيئا إلا بتمليك منه سبحانه وإذن فما شاءه وملكه وأذن في وقوعه ، يقع ، وما لم يشأ ولم يملك ولم يأذن فيه لا يقع وإن بذل في طريق وقوعه كل جهد وعناية ، قال تعالى:"يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني:"الفاطر - 15.
فقد تبين: أن قوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ، كما يشتمل على الحكم أعني إجابة الدعاء كذلك يشتمل على علله فكون الداعين عبادا لله تعالى هو الموجب لقربه منهم ، وقربه منهم هو الموجب لإجابته المطلقة لدعائهم وإطلاق الإجابة يستلزم إطلاق الدعاء فكل دعاء دعي به فإنه مجيبه إلا أن هاهنا أمرا وهو أنه تعالى قيد قوله: أجيب دعوة الداع بقوله إذا دعان ، وهذا القيد غير الزائد على نفس المقيد بشيء يدل على اشتراط الحقيقة دون التجوز والشبه ، فإن قولنا: أصغ إلى قول الناصح إذا نصحك أو أكرم العالم إذا كان عالما يدل على لزوم اتصافه بما يقتضيه حقيقة فالناصح إذا قصد النصح بقوله فهو الذي يجب الإصغاء إلى قوله والعالم إذا تحقق بعلمه وعمل بما علم كان هو الذي يجب إكرامه فقوله تعالى إذا دعان ، يدل على أن وعد الإجابة المطلقة ، إنما هو إذا كان الداعي داعيا بحسب الحقيقة مريدا بحسب العلم الفطري والغريزي مواطئا لسانه قلبه ، فإن حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة ، دون ما يأتي به اللسان الذي يدور كيفما أدير صدقا أو كذبا جدا أو هزلا حقيقة أو مجازا ، ولذلك ترى أنه تعالى عد ما لا عمل للسان فيه سؤالا ، قال تعالى:"و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار:"إبراهيم - 34 ، فهم فيما لا يحصونها من النعم داعون سائلون ولم يسألوها بلسانهم الظاهر ، بل بلسان فقرهم واستحقاقهم لسانا فطريا وجوديا ، وقال تعالى:"يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن:"الرحمن - 29 ، ودلالته على ما ذكرنا أظهر وأوضح.
فالسؤال الفطري من الله سبحانه لا يتخطى الإجابة ، فما لا يستجاب من الدعاء ولا يصادف الإجابة فقد فقد أحد أمرين وهما اللذان ذكرهما بقوله: دعوة الداع إذا دعان.
فإما أن يكون لم يتحقق هناك دعاء ، وإنما التبس الأمر على الداعي التباسا كان يدعو الإنسان فيسأل ما لا يكون وهو جاهل بذلك أو ما لا يريده لو انكشف عليه حقيقة الأمر مثل أن يدعو ويسأل شفاء المريض لا إحياء الميت ، ولو كان استمكنه ودعا بحياته كما كان يسأله الأنبياء لأعيدت حياته ولكنه على يأس من ذلك ، أو يسأل ما لو علم بحقيقته لم يسأله فلا يستجاب له فيه.
وإما أن السؤال متحقق لكن لا من الله وحده كمن يسأل الله حاجة من حوائجه وقلبه متعلق بالأسباب العادية أو بأمور وهمية توهمها كافية في أمره أو مؤثرة في شأنه فلم يخلص الدعاء لله سبحانه فلم يسأل الله بالحقيقة فإن الله الذي يجيب الدعوات هو الذي لا شريك له في أمره ، لا من يعمل بشركة الأسباب والأوهام ، فهاتان الطائفتان من الدعاة السائلين لم يخلصوا الدعاء بالقلب وإن أخلصوه بلسانهم.