فهرس الكتاب

الصفحة 1551 من 4314

و قولها:"و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين": النمل: 44 ولم ينعت بأول المسلمين أحد في القرآن إلا ما يوجد في هذه الآية من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخبر قومه بذلك ، وما في سورة الزمر من قوله:"قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين": الزمر: 12.

وربما قيل: إن المراد أول المسلمين من هذه الأمة فإن إبراهيم كان أول المسلمين ومن بعده تابع له في الإسلام ، وفيه أن التقييد لا دليل عليه ، وأما كون إبراهيم أول المسلمين فيدفعه ما تقدم من الآيات المنقولة.

وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل في دعائهما:"و من ذريتنا أمة مسلمة لك": البقرة: 128. وقوله:"ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين": الحج: 78 فلا دلالة فيهما على شيء.

قوله تعالى:"قل أ غير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء"إلخ ، هذه الآية والتي بعدها تشتملان على حجج ثلاث هي جوامع الحجج المذكورة في السورة للتوحيد ، وهي الحجة من طريق بدء الخلقة ، والحجة من طريق عودها ، والحجة من حال الإنسان وهو بينهما وبعبارة أخرى الحجة من نشأة الحياة الدنيا والنشأة التي قبلها والتي بعدها.

فالحجة من طريق البدء ما في قوله:"أ غير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء"ومن المعلوم أنه إذا كان رب كل شيء كان كل شيء مربوبا له فلا رب غيره على الإطلاق يصلح أن يعبد.

والحجة من طريق العود ما يشتمل عليه قوله:"و لا تكسب كل نفس إلا عليها"إلى آخر الآية ، أي أن كل نفس لا تعمل عملا ولا تكسب شيئا إلا حمل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى حتى يحمل ما اكتسبته نفس على غيرها ثم المرجع إلى الله وإليه الجزاء بالكشف عن حقائق أعمال العباد ، وإذا كان لا محيص عن الجزاء وهو المالك ليوم الدين فهو الذي تتعين عبادته لا غيره ممن لا يملك شيئا.

والحجة من طريق النشأة الدنيا ما في قوله:"و هو الذي جعلكم خلائف"إلخ ، ومحصله أن هذا النظام العجيب الذي يحكم في معاشكم في الحياة الدنيا وهو مبني على خلافتكم في الأرض واختلاف شئونكم بالكبر والصغر والقوة والضعف والذكورية والأنوثية والغنى والفقر والرئاسة والمرئوسية والعلم والجهل وغيرها وإن كان نظاما اعتباريا لكنه ناش من عمل التكوين منته إليه فالله سبحانه هو ناظمه ، وإنما فعل ذلك لامتحانكم وابتلائكم فهو الرب الذي يدبر أمر سعادتكم ، ويوصل من أطاعه إلى سعادته المقدرة له ويذر الظالمين فيها جثيا ، فهو الذي يحق عبادته.

وقد تبين بما مر أن مجموع الجملتين:"و لا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى"سيق لإفادة معنى واحد وهو أن ما كسبته نفس يلزمها ولا يتعداها ، وهو مفاد قوله:"كل نفس بما كسبت رهينة": المدثر: 38.

قوله تعالى:"و هو الذي جعلكم خلائف الأرض"الخلائف جمع خليفة أي يستخلف بعضكم بعضا أو استخلفكم لنفسه في الأرض وقد مر كلام في معنى هذه الخلافة في تفسير قوله تعالى:"إني جاعل في الأرض خليفة": البقرة: 30 في الجزء الأول من الكتاب ، ومعنى الآية ظاهر بما مر من البيان ، وقد ختمت السورة بالمغفرة والرحمة.

في الكافي ، بإسناده عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله:"حنيفا مسلما"قال: خالصا مخلصا ليس فيه شيء من عبادة الأوثان: . أقول: ورواه في البرهان ، البرقي بإسناده عن ابن مسكان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : وفيه:"خالصا مخلصا لا يشوبه شيء"وهو بيان المراد لا تفسير بالمعنى.

وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يقول: درجة واحدة إن الله يقول: درجات بعضها فوق بعض ، إنما تفاضل القوم بالأعمال.

أقول: وهو من نقل الآية بالمعنى فإن الآية هكذا:"و رفع بعضكم فوق بعض درجات"وفي موضع آخر"و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات":"الزخرف: 32"والظاهر أن قوله:"بعضها فوق بعض"من كلامه (عليه السلام) والحديث إنما ورد في تفسير مثل قوله تعالى:"هم درجات عند الله"لا في تفسير الآية التي نحن فيها فإيراده في ذيل هذه الآية من سهو الراوي ، وذلك أن قوله (عليه السلام) في ذيله:"إنما تفاضل القوم بالأعمال"لا ينطبق على الآية كما لا يخفى.

تم والحمد لله

هذا الكتاب الإلكتروني من منشورات شبكة الكوثر الإسلامية في الإنترنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت