قوله تعالى:"و السابقون السابقون"الذي يصلح أن يفسر به السابقون الأول قوله تعالى:"فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله": فاطر: 32 ، وقوله:"و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات": البقرة: 148 ، وقوله:"أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون": المؤمنون: 61.
فالمراد بالسابقين - الأول - في الآية السابقون بالخيرات من الأعمال ، وإذا سبقوا بالخيرات سبقوا إلى المغفرة والرحمة التي بإزائها كما قال تعالى:"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة": الحديد: 21 ، فالسابقون بالخيرات هم السابقون بالرحمة وهو قوله:"و السابقون السابقون".
وقيل: المراد بالسابقون الثاني هو الأول على حد قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري.
وقوله:"و السابقون السابقون"مبتدأ وخبر ، وقيل: الأول مبتدأ والثاني تأكيد ، والخبر قوله:"أولئك المقربون".
ولهم في تفسير السابقين أقوال أخر فقيل: هم المسارعون إلى كل ما دعا الله إليه ، وقيل: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة من غير توان ، وقيل: هم الأنبياء (عليهم السلام) لأنهم مقدموا أهل الأديان ، وقيل: هم مؤمن آل فرعون وحبيب النجار المذكور في سورة يس وعلي (عليه السلام) السابق إلى الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أفضلهم وقيل: هم السابقون إلى الهجرة ، وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس ، وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين ، وقيل: هم السابقون إلى الجهاد ، وقيل غير ذلك.
والقولان الأولان راجعان إلى ما تقدم من المعنى ، والثالث والرابع ينبغي أن يحملا على التمثيل ، والباقي كما ترى إلا أن يحمل على نحو من التمثيل.
في الخصال ، عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، والله ما الدنيا والآخرة إلا ككفتي ميزان فأيهما رجح ذهب بالآخر ثم تلا قوله عز وجل:"إذا وقعت الواقعة"يعني القيامة"ليس لوقعتها كاذبة خافضة"خفضت والله بأعداء الله في النار"رافعة"رفعت والله أولياء الله إلى الجنة.
وفي تفسير القمي ،:"إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة"قال: القيامة هي حق ، وقوله:"خافضة"قال: بأعداء الله"رافعة"لأولياء الله"إذا رجت الأرض رجا"قال: يدق بعضها على بعض"و بست الجبال بسا"قال: قلعت الجبال قلعا"فكانت هباء منبثا"قال: الهباء الذي في الكوة من شعاع الشمس. وقوله:"و كنتم أزواجا ثلاثة"قال: يوم القيامة"فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة - وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة - والسابقون السابقون"الذين سبقوا إلى الجنة.
أقول: قوله: الذين سبقوا إلى الجنة تفسير للسابقون الثاني.
وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الهباء المنبث رهج 1 الذرات والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة.
وفيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: في قوله:"و السابقون السابقون"قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار الذي ذكر في يس وعلي بن أبي طالب ، كل رجل منهم سابق أمته وعلي أفضلهم سبقا.
وفي المجمع ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: السابقون أربعة: ابن آدم المقتول ، وسابق أمة موسى وهو مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى وهو حبيب والسابق في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) : . أقول: وروي هذا المعنى في روضة الواعظين ، عن الصادق (عليه السلام) .
وفي أمالي الشيخ ، بإسناده إلى ابن عباس قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قول الله عز وجل:"و السابقون السابقون - أولئك المقربون في جنات النعيم"فقال: قال لي جبرئيل: ذلك علي وشيعته ، هم السابقون إلى الجنة المقربون من الله بكرامته لهم.
وفي كمال الدين ، بإسناده إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: ونحن السابقون السابقون ونحن الآخرون.
وفي العيون ، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة بإسناده عن علي (عليه السلام) قال:"و السابقون السابقون أولئك المقربون"في نزلت.
وفي المجمع ،: في الآية: وقيل: إلى الصلوات الخمس: . عن علي (عليه السلام) .
أقول: الوجه حمل جميع هذه الأخبار على التمثيل كما تقدم.