3 سورة آل عمران - 26 - 28
قُلِ اللّهُمّ مَلِك الْمُلْكِ تُؤْتى الْمُلْك مَن تَشاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْك مِمّن تَشاءُ وَتُعِزّ مَن تَشاءُ وَتُذِلّ مَن تَشاءُ بِيَدِك الْخَيرُ إِنّك عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ الّيْلَ في النّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ في الّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّت مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيرِ حِسابٍ (27)
الآيتان لا تخلوان عن ارتباط ما بما تقدمهما من الكلام في شأن أهل الكتاب وخاصة اليهود لاشتماله على وعيدهم وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة ومن العذاب ما سلب الله عنهم الملك وضرب عليهم الذل والمسكنة إلى يوم القيامة وأخذ أنفاسهم وذهب باستقلالهم في السؤدد.
على أن غرض السورة كما مر بيان أن الله سبحانه هو القائم على خلق العالم وتدبيره فهو مالك الملك يملك من يشاء ويعز من يشاء وبالجملة هو المعطي للخير لمن يشاء وهو الآخذ النازع للملك والعزة ولكل خير عمن يشاء فمضمون الآيتين غير خارج عن غرض السورة.
قوله تعالى قل اللهم مالك الملك أمر بالالتجاء إلى الله تعالى الذي بيده الخير على الإطلاق وله القدرة المطلقة ليتخلص من هذه الدعاوي الوهمية التي نشبت في قلوب المنافقين والمتمردين من الحق من المشركين وأهل الكتاب فضلوا وهلكوا بما قدروه لأنفسهم من الملك والعزة والغنى من الله سبحانه ويعرض الملتجىء نفسه على إفاضة مفيض الخير والرازق لمن يشاء بغير حساب.
والملك بكسر الميم مما نعرفه فيما بيننا ونعهده من غير ارتياب في أصله فمن الملك بكسر الميم ما هو حقيقي وهو كون شيء كالإنسان مثلا بحيث يصح له أن يتصرف في شيء أي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود كما يمكن للإنسان أن يتصرف في باصرته بإعمالها وإهمالها بأي نحو شاء وأراد وكذا في يده بالقبض والبسط ، والأخذ بها والترك ونحو ذلك ولا محالة بين المالك وملكه بهذا المعنى رابطة حقيقية غير قابلة التغير يوجب قيام المملوك بالمالك نحو قيام لا يستغني عنه ولا يفارقه إلا بالبطلان كالبصر واليد إذا فارقا الإنسان ومن هذا القبيل ملكه تعالى بكسر الميم للعالم ولجميع أجزائه وشئونه على الإطلاق ، فله أن يتصرف فيما شاء كيفما شاء.
ومن الملك بكسر الميم ما هو وضعي اعتباري وهو كون الشيء كالإنسان بحيث يصح له أن يتصرف في شيء كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع لغرض نيل الغايات والأغراض الاجتماعية ، وإنما هو محاذاة منهم لما عرفوه في الوجود من الملك الحقيقي وآثاره فاعتبروا مثله في ظرف اجتماعهم بالوضع والدعوى لينالوا بذلك من هذه الأعيان والأمتعة فوائد نظير ما يناله المالك الحقيقي من ملكه الحقيقي التكويني.
ولكون الرابطة بين المالك والمملوك في هذا النوع من الملك بالوضع والاعتبار نرى ما نرى فيه من جواز التغير والتحول فمن الجائز أن ينتقل هذا النوع من الملك من إنسان إلى آخر بالبيع والهبة وسائر أسباب النقل.
وأما الملك بالضم فهو وإن كان من سنخ الملك بالكسر إلا أنه ملك لما يملكه جماعة الناس فإن المليك مالك لما يملكه رعاياه ، له أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه ، ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك ، وهو ما نصطلح عليه بالملك الطولي كملك المولى للعبد وما في يده ، ولهذا كان للملك بالضم من الأقسام ما ذكرناه للملك بالكسر.
والله سبحانه مالك كل شيء ملكا مطلقا أما أنه مالك لكل شيء على الإطلاق فلأن له الربوبية المطلقة والقيمومة المطلقة على كل شيء فإنه خالق كل شيء وإله كل شيء ، قال تعالى:"ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو": المؤمن - 62 وقال تعالى:"له ما في السموات وما في الأرض": البقرة - 255 ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئا فهو قائم الذات به مفتقر الذات إليه لا يستقل دونه فلا يمنعه فيما أراده منها وفيها شيء وهذا هو الملك بالكسر كما مر.