فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 4314

3 سورة آل عمران - 28 - 32

لا يَتّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِك فَلَيْس مِنَ اللّهِ في شىْءٍ إِلا أَن تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكمُ اللّهُ نَفْسهُ وَإِلى اللّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِن تُخْفُوا مَا في صدُورِكمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا في السمَوَتِ وَمَا في الأَرْضِ وَاللّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَت مِنْ خَيرٍ محْضرًا وَمَا عَمِلَت مِن سوءٍ تَوَدّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكمُ اللّهُ نَفْسهُ وَاللّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونى يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكمْ ذُنُوبَكمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرّسولَ فَإِن تَوَلّوْا فَإِنّ اللّهَ لا يحِب الْكَفِرِينَ (32)

الآيات غير خالية عن الارتباط بما تقدمها بناء على ما ذكرناه في الآيات السابقة: أن المقام مقام التعرض لحال أهل الكتاب والمشركين والتعريض لهم ، فالمراد بالكافرين إن كان يعم أهل الكتاب فهذه الآيات تنهى عن توليهم والامتزاج الروحي بالمشركين وبهم جميعا ، وإن كان المراد بهم المشركين فحسب فالآيات متعرضة لهم ودعوة إلى تركهم والاتصال بحزب الله ، وحب الله وطاعة رسوله.

قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، الأولياء جمع الولي من الولاية وهي في الأصل ملك تدبير أمر الشيء فولي الصغير أو المجنون أو المعتوه هو الذي يملك تدبير أمورهم وأمور أموالهم فالمال لهم وتدبير أمره لوليهم ، ثم استعمل وكثر استعماله في مورد الحب لكونه يستلزم غالبا تصرف كل من المتحابين في أمور الآخر لإفضائه إلى التقرب والتأثر عن إرادة المحبوب وسائر شئونه الروحية فلا يخلو الحب عن تصرف المحبوب في أمور المحب في حيوته.

فاتخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم والتأثر منهم في الأخلاق وسائر شئون الحيوة وتصرفهم في ذلك ، ويدل على ذلك تقييد هذا النهي بقوله: من دون المؤمنين ، فإن فيه دلالة على إيثار حبهم على حب المؤمنين ، وإلقاء أزمة الحيوة إليهم دون المؤمنين ، وفيه الركون إليهم والاتصال بهم والانفصال عن المؤمنين.

وقد تكرر ورود النهي في الآيات الكريمة عن تولي الكافرين واليهود والنصارى واتخاذهم أولياء لكن موارد النهي مشتملة على ما يفسر معنى التولي المنهي عنه ، ويعرف كيفية الولاية المنهي عنها كاشتمال هذه الآية على قوله: من دون المؤمنين بعد قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ، واشتمال قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"الآية: المائدة - 51 ، على قوله: بعضهم أولياء بعض ، وتعقب قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"الآية: الممتحنة - 1 ، بقوله: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين إلى آخر الآيات.

وعلى هذا فأخذ هذه الأوصاف في قوله: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين للدلالة على سبب الحكم وعلته ، وهو أن صفتي الكفر والإيمان مع ما فيهما من البعد والبينونة ولا محالة يسري ذلك إلى من اتصف بهما فيفرق بينهما في المعارف والأخلاق وطريق السلوك إلى الله تعالى وسائر شئون الحيوة لا يلائم حالهما مع الولاية فإن الولاية يوجب الاتحاد والامتزاج ، وهاتان الصفتان توجبان التفرق والبينونة ، وإذا قويت الولاية كما إذا كان من دون المؤمنين أوجب ذلك فساد خواص الإيمان وآثاره ثم فساد أصله ، ولذلك عقبه بقوله: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، ثم عقبه أيضا بقوله: إلا أن تتقوا منهم تقية ، فاستثنى التقية فإن التقية إنما توجب صورة الولاية في الظاهر دون حقيقتها.

ودون في قوله: من دون المؤمنين كأنه ظرف يفيد معنى عند مع شوب من معنى السفالة والقصور ، والمعنى: مبتدئا من مكان دون مكان المؤمنين فإنهم أعلى مكانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت