16 سورة النحل - 112 - 128
وَضرَب اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَت ءَامِنَةً مّطمَئنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كلِّ مَكانٍ فَكفَرَت بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَقَهَا اللّهُ لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْفِ بِمَا كانُوا يَصنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مِّنهُمْ فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَاب وَهُمْ ظلِمُونَ (113) فَكلُوا مِمّا رَزَقَكمُ اللّهُ حَلَلًا طيِّبًا وَاشكرُوا نِعْمَت اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكمُ الْمَيْتَةَ وَالدّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلّ لِغَيرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضطرّ غَيرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِف أَلْسِنَتُكمُ الْكَذِب هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْترُوا عَلى اللّهِ الْكَذِب إِنّ الّذِينَ يَفْترُونَ عَلى اللّهِ الْكَذِب لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَعٌ قَلِيلٌ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلى الّذِينَ هَادُوا حَرّمْنَا مَا قَصصنَا عَلَيْك مِن قَبْلُ وَمَا ظلَمْنَهُمْ وَلَكِن كانُوا أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ (118) ثُمّ إِنّ رَبّك لِلّذِينَ عَمِلُوا السوءَ بجَهَلَةٍ ثمّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَأَصلَحُوا إِنّ رَبّك مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رّحِيمٌ (119) إِنّ إِبْرَهِيمَ كانَ أُمّةً قَانِتًا لِّلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَك مِنَ الْمُشرِكِينَ (120) شاكرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (121) وَءَاتَيْنَهُ في الدّنْيَا حَسنَةً وَإِنّهُ في الاَخِرَةِ لَمِنَ الصلِحِينَ (122) ثُمّ أَوْحَيْنَا إِلَيْك أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كانَ مِنَ الْمُشرِكينَ (123) إِنّمَا جُعِلَ السبْت عَلى الّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنّ رَبّك لَيَحْكمُ بَيْنهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كانُوا فِيهِ يخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلى سبِيلِ رَبِّك بِالحِْكْمَةِ وَالْمَوْعِظةِ الحَْسنَةِ وَجَدِلْهُم بِالّتى هِىَ أَحْسنُ إِنّ رَبّك هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضلّ عَن سبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئن صبرْتمْ لَهُوَ خَيرٌ لِّلصبرِينَ (126) وَاصبرْ وَمَا صبرُك إِلا بِاللّهِ وَلا تحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَك في ضيْقٍ مِّمّا يَمْكرُونَ (127) إِنّ اللّهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَوا وّ الّذِينَ هُم محْسِنُونَ (128)
تتمة آيات الأحكام السابقة تذكر فيها محرمات الأكل ومحللاته ونهي عن التحليل والتحريم ابتداعا بغير إذن الله وذكر بعض ما شرع لليهود من الأحكام التي نسخت بعد ، وفي ذلك عطف على ما تقدم من حديث النسخ في قوله:"و إذا بدلنا آية مكان آية"وإشارة إلى أن ما أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما هو دين إبراهيم (عليه السلام) المبني على الاعتدال والتوحيد مرفوعا عنه ما في دين اليهود من التشديد عليهم قبال ظلمهم.
وفي آخرها أمر بالعدل في المعاقبة وندب إلى الصبر والاحتساب ، ووعد جميل بالنصرة والكفاية إن اتقوا وأحسنوا.
قوله تعالى:"ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا"إلى آخر الآية ، الرغد من العيش هو الواسع الطيب.
هذا مثل ضربه الله تعالى فوصف فيه قرية آتاها ما تحتاج إليه من نعم الحياة ، وأتم ذلك كله بنبي بعثه إليهم يدعوهم إلى ما فيه صلاح دنياهم وأخراهم فكفروا بأنعمه وكذبوا رسوله فبدل الله نعمته نقمة وعذبهم بما ظلموا بتكذيب رسوله ، وفي المثل تحذير عن كفران نعمة الله بعد إذ بذلت والكفر بآياته بعد إذ أنزل.
وفيه توطئة وتمهيد لما سيذكره من محللات الأكل ومحرماته وينهى عن تشريع الحلال والحرام بغير إذن الله كل ذلك بالاستفادة من سياق الآيات فإن كل سابقة منها تسوق النظر إلى اللاحقة.
وقيل: إن هذه القرية هي مكة عذبهم الله بالجوع سبع سنين لما كفروا بأنعم الله وقد وسعها عليهم وكذبوا رسوله وقد أرسله إليهم فابتلوا بالقحط وكان يغار عليهم قوافلهم بسخط من الله سبحانه لما دعا عليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ذكره في المجمع ، ونسبه إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة.