فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 4314

ثم بين تعالى كفاية جهنم في أمرهم بقوله: إن الذين كفروا بآياتنا إلى آخر الآية وهو بيان في صورة التعليل ، ثم عقبه بقوله: والذين آمنوا وعلموا الصالحات إلى آخر الآية ليتبين الفرق بين الطائفتين: من آمن به ، ومن صد عنه ، ويظهر أنهما في قطبين متخالفين من سعادة الحياة الأخرى وشقائها: دخول الجنات وظلها الظليل ، وإحاطة سعير جهنم والاصطلاء بالنار - أعاذنا الله - ومعنى الآيتين واضح.

قوله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم"إلخ الفقرة الثانية من الآية:"و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"ظاهره الارتباط بالآيات السابقة عليها فإن البيان الإلهي فيها يدور حول حكم اليهود للمشركين بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين ، وقد وصفهم الله تعالى في أول بيانه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب والذي في الكتاب هو تبيين آيات الله والمعارف الإلهية ، وهي أمانات مأخوذ عليها الميثاق أن تبين للناس ، ولا تكتم عن أهله.

وهذا الذي ذكر من القرائن يؤيد أن يكون المراد بالأمانات ما يعم الأمانات المالية وغيرها من المعنويات كالعلوم والمعارف الحقة التي من حقها أن يبلغها حاملوها أهلها من الناس.

وبالجملة لما خانت اليهود الأمانات الإلهية المودعة عندهم من العلم بمعارف التوحيد وآيات نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكتموها ولم يظهروها في واجب وقتها ، ثم لم يقنعوا بذلك حتى جاروا في الحكم بين المؤمنين والمشركين فحكموا للوثنية على التوحيد فآل أمرهم فيه إلى اللعن الإلهي وجر ذلك إياهم إلى عذاب السعير فلما كان من أمرهم ما كان ، غير سبحانه سياق الكلام من التكلم إلى الغيبة فأمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها ، وبالعدل في الحكم فقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس"إلخ".

والذي وسعنا به معنى تأدية الأمانات والعدل في الحكم هو الذي يقضي به السياق على ما عرفت ، فلا يرد عليه أنه عدول عن ظاهر لفظ الأمانة والحكم فإن المتبادر في مرحلة التشريع من مضمون الآية وجوب رد الأمانة المالية إلى صاحبها ، وعدل القاضي وهو الحكم في مورد القضاء الشرعي ، وذلك أن التشريع المطلق لا يتقيد بما يتقيد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه بل القرآن مثلا يبين وجوب رد الأمانة على الإطلاق ، ووجوب العدل في الحكم على الإطلاق فما كان من ذلك راجعا إلى الفقه من الأمانة المالية والقضاء في المرافعات راجعه فيه الفقه ، وما كان غير ذلك استفاد منه فن أصول المعارف ، وهكذا.

في الدر المنثور ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لوى لسانه ، وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله فيه: أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة إلى قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا.

وفيه ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: في قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب الآية قال: نزلت في مالك بن الصيف ، ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع.

وفيه ، أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن سوريا ، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون إن الذي جئتكم به لحق فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فأنزل الله فيهم: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا الآية.

أقول: ظاهر الآيات الشريفة على ما تقدم في البيان السابق وإن كان نزولها في اليهود من أهل الكتاب إلا أن ما نقلناه من سبب النزول لا يزيد على أنه حكم تطبيقي كغالب نظائره من الأخبار الحاكية لأسباب النزول ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت