فهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه ، وأصيب المسلمون بما أصيبوا ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي معصوم إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعه وقد خالفوا أمر الله ورسوله كان ذلك مصيبة سيئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعة وهو فيهم ، وإن أسند إلى شخصه الشريف كان ذلك محنة إلهية أصابته في سبيل الله ، وفي طريق دعوته الطاهرة إلى الله على بصيرة فإنما هي نعمة رافعة للدرجات.
وكذا كل ما أصاب قوما من السيئات إنما تستند إلى أعمالهم على ما يراه القرآن ولا يرى إلا الحق ، وأما ما أصابهم من الحسنات فمن الله سبحانه.
نعم هاهنا آيات أخر ربما نسبت إليهم الحسنات بعض النسبة كقوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء": الأعراف: 96 وقوله:"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": السجدة: 24 وقوله:"و أدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين": الأنبياء: 86 والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
إلا إن الله سبحانه يذكر في كلامه أن شيئا من خلقه لا يقدر على شيء مما يقصده من الغاية ، ولا يهتدي إلى خير إلا بإقدار الله وهدايته قال تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 وقال تعالى:"و لو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور: 21 ويتبين بهاتين الآيتين وما تقدم معنى آخر لكون الحسنات لله عز اسمه ، وهو أن الإنسان لا يملك حسنة إلا بتمليك من الله وإيصال منه فالحسنات كلها لله والسيئات للإنسان ، وبه يظهر معنى قوله تعالى"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"الآية.
فلله سبحانه الحسنات بما أن كل حسن مخلوق له ، والخلق والحسن لا ينفكان ، وله الحسنات بما أنها خيرات ، وبيده الخير لا يملكه غيره إلا بتمليكه ، ولا ينسب إليه شيء من السيئات فإن السيئة من حيث إنها سيئة غير مخلوقة وشأنه الخلق ، وإنما السيئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما قدمته أيدي الناس ، وأما الحسنة والسيئة بمعنى الطاعة والمعصية فقد تقدم الكلام في نسبتهما إلى الله سبحانه في الكلام على قوله تعالى"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": البقرة: 26 في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وأنت لو راجعت التفاسير في هذا المقام ، وجدت من شتات القول ومختلف الآراء والأهواء وأقسام الإشكالات ما يبهتك ، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية للمتدبر في كلامه تعالى ، وعليك في هذا البحث بتفكيك جهات البحث بعضها عن بعض ، وتفهم ما يتعارفه القرآن من معنى الحسنة والسيئة ، والنعمة والنقمة ، والفرق بين شخصية المجتمع والفرد حتى يتضح لك مغزى الكلام.
وفي الدر المنثور ،: في قوله تعالى"أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا"الآية: أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال فكفوا فأنزل الله:"أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم"الآية.