فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 4314

5 سورة المائدة - 101 - 102

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَسئَلُوا عَنْ أَشيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسؤْكُمْ وَإِن تَسئَلُوا عَنهَا حِينَ يُنزّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكمْ ثُمّ أَصبَحُوا بهَا كَفِرِينَ (102)

الآيتان غير ظاهرتي الارتباط بما قبلهما ، ومضمونهما غني عن الاتصال بشيء من الكلام يبين منهما ما لا تستقلان بإفادته فلا حاجة إلى ما تجشمه جمع من المفسرين في توجيه اتصالهما تارة بما قبلهما ، وأخرى بأول السورة ، وثالثة بالغرض من السورة فالصفح عن ذلك كله أولى.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"الآية الإبداء الإظهار ، وساءه كذا خلاف سره.

والآية تنهى المؤمنين عن أن يسألوا عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم ، وقد سكتت أولا عن المسئول من هو؟ غير أن قوله بعد:"و إن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم"، وكذا قوله في الآية التالية:"قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين"يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقصود بالسؤال مسئول بمعنى أن الآية سيقت للنهي عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أشياء من شأنها كيت وكيت ، وإن كانت العلة المستفادة من الآية الموجبة للنهي تفيد شمول النهي لغير مورد الغرض وهو أن يسأل الإنسان ويفحص عن كل ما عفاه العفو الإلهي ، وضرب دون الاطلاع عليه بالأسباب العادية والطرق المألوفة سترا فإن في الاطلاع على حقيقة مثل هذه الأمور مظنة الهلاك والشقاء كمن تفحص عن يوم وفاته أو سبب هلاكه أو عمر أحبته وأعزته أو زوال ملكه وعزته ، وربما كان ما يطلع عليه هو السبب الذي يخترمه بالفناء أو يهدده بالشقاء.

فنظام الحياة الذي نظمه الله سبحانه ووضعه جاريا في الكون فأبدا أشياء وحجب أشياء لم يظهر ما أظهره إلا لحكمة ، ولم يخف ما أخفاه إلا لحكمة أي إن التسبب إلى خفاء ما ظهر منها والتوسل إلى ظهور ما خفي منها يورث اختلال النظام المبسوط على الكون كالحياة الإنسانية المبنية على نظام بدني مؤلف من قوى وأعضاء وأركان لو نقص واحد منها أو زيد شيء عليها أوجب ذلك فقدان أجزاء هامة من الحياة ثم يعتبر ذلك مجرى القوى والأعضاء الباقية ، وربما أدى ذلك إلى بطلان الحياة بحقيقتها أو معناها.

ثم إن الآية أبهمت ثانيا أمر هذه الأشياء التي نهت عن السؤال عنها ، ولم توضح من أمرها إلا أنها بحيث إن تبد لهم تسؤهم"إلخ"، ومما لا يرتاب فيه أن قوله:"إن تبد لكم تسؤكم"نعت للأشياء ، وهي جملة شرطية تدل على تحقق وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط ، ولازمه أن تكون هذه أشياء تسؤهم إن أبدئت لهم فطلب إبدائها وإظهارها بالمسألة طلب للمساءة.

فيستشكل بأن الإنسان العاقل لا يطلب ما يسؤه ، ولو قيل: لا تسألوا عن أشياء فيها ما إن تبد لكم تسؤكم ، أو لا تسألوا عن أشياء لا تأمنون أن تسوءكم إن تبد لكم لم يلزم محذور.

ومن عجيب ما أجيب به عن الإشكال أن من المقرر في قوانين العربية أن شرط"إن"مما لا يقطع بوقوعه ، والجزاء تابع للشرط في الوقوع وعدمه فكان التعبير بقوله"إن تبد لكم تسؤكم"دون"إذا أبديت لكم تسؤكم"دالا على أن احتمال إبدائها وكونها تسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها ، انتهى موضع الحاجة.

وقد أخطأ في ذلك ، وليت شعري أي قانون من قوانين العربية يقرر أن يكون الشرط غير مقطوع الوقوع؟ ثم الجزاء بما هو جزاء متعلق الوجود بالشرط غير مقطوع الوقوع؟ وهل يفيد قولنا: إن جئتني أكرمتك إلا القطع بوقوع الإكرام على تقدير وقوع المجيء؟ فقوله: إن التعبير بالشرط يدل على أن احتمال إبدائها وكونه يسوء كاف في وجوب الانتهاء ، انتهى.

إنما يصح لو كان مفاد الشرط في الآية هو النهي عن السؤال عن أشياء يمكن أن تسوء إن أبدئت وليس كذلك كما عرفت بل المفاد النهي عن السؤال أشياء يقطع بمساءتها إن أبدئت ، فالإشكال على حاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت