و في الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالدعوة إلى الجنة والمغفرة هو الحكم المشرع في صدر الآية بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن"إلخ"، فإن جعل الحكم لغرض ردع المؤمنين عن الاختلاط في العشرة مع من لا يزيد القرب منه والأنس به إلا البعد من الله سبحانه ، وحثهم بمخالطة من في مخالطته التقرب من الله سبحانه وذكر آياته ومراقبة أمره ونهيه دعوة من الله إلى الجنة ، ويؤيد هذا الوجه تذييل هذه الجملة بقوله تعالى: ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ، ويمكن أن يراد بالدعوة الأعم من الوجهين ، ولا يخلو حينئذ السياق عن لطف فافهم.
في المجمع ،: في الآية: نزلت في مرئد بن أبي مرئد الغنوي بعثه رسول الله إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين ، وكان قويا شجاعا ، فدعه امرأة يقال لها: عناق إلى نفسها فأبى وكانت بينهما خلة في الجاهلية ، فقالت: هل لك أن تتزوج بي؟ فقال: حتى استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلما رجع استأذن في التزوج بها.
أقول: وروى هذا المعنى السيوطي في الدر المنثور ، عن ابن عباس.
وفي الدر المنثور: ، أخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: في هذه الآية: ولأمة مؤمنة خير من مشركة ، قال: نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره خبرها ، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقال يا عبد الله هذه مؤمنة فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقها ولأتزوجها ، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم فأنزل الله فيهم: ولأمة مؤمنة خير من مشركة.
وفيه ، أيضا عن مقاتل: في الآية ولأمة مؤمنة ، قال بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة فأعتقها وتزوجها حذيفة.
أقول: لا تنافي بين هذه الروايات الواردة في أسباب النزول لجواز وقوع عدة حوادث تنزل بعدها آية تشتمل على حكم جميعها ، وهنا روايات متعارضة مروية في كون قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، الآية ناسخا لقوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، أو منسوخا به ، ستمر بك في تفسير الآية من سورة المائدة.