هذا في الآية التي نحن فيها ، وأما الآية السابقة:"يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون"فإن وجه الكلام فيها إلى أشخاص من المنافقين بأعيانهم يأمر الله فيها نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرد إليهم اعتذارهم ، ويذكر لهم أولا أن الله قد نبأهم أي النبي والذين معه من المؤمنين في جيش الإسلام أخبارهم بنزول هذه الآيات التي تقص أخبار المنافقين وتكشف عن مساوي أعمالهم.
ثم يذكر لهم أن حقيقة أعمالهم غير مستورة عن الله سبحانه ولا خفية عليه وكذلك رسوله وحده ولم يكن معه أحد من شهداء الأعمال ثم الله يكشف لهم أنفسهم عن حقيقة أعمالهم يوم القيامة.
فهذا هو الفرق بين الآيتين مع اتحادهما في ظاهر السياق حيث ذكر في الآية التي نحن فيها: الله ورسوله والمؤمنون ، وفي الآية السابقة: الله ورسوله ، واقتصر على ذلك.
فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية ومن لم يقنع بذلك ولم يرض دون أن يصور للآية معنى ظاهريا فليقل إن ذكره تعالى"الله ورسوله"في خطاب المنافقين إنما هو لأجل أنهم إنما يريدون أن يكيدوا الله ورسوله ولا هم لهم في المؤمنون ، وأما ذكره تعالى:"الله ورسوله والمؤمنين"في الخطاب العام فإنما الغرض فيه تحريضهم على العمل الصالح في مشهد من الملإ الصالح ولم يعبأ بحال غيرهم من الكفار والمنافقين.
فتدبر.
قوله تعالى:"و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم"الإرجاء التأخير ، والآية معطوفة على قوله:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم"ومعنى إرجائهم إلى أمر الله أنهم لا سبب عندهم يرجح لهم جانب العذاب أو جانب المغفرة فأمرهم يئول إلى أمر الله ما شاء وأراد فيهم فهو النافذ في حقهم.
وهذه الآية تنطبق بحسب نفسها على المستضعفين الذين هم كالبرزخ بين المحسنين والمسيئين ، وإن ورد في أسباب النزول أن الآية نازلة في الثلاثة الذين خلفوا ثم تابوا فأنزل الله توبتهم على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيجيء إن شاء الله تعالى.
وكيف كان فالآية تخفي ما يئول إليه عاقبة أمرهم وتبقيها على إبهامها حتى فيما ذيلت به من الاسمين الكريمين: العليم والحكيم الدالين على أن الله سبحانه يحكم فيهم بما يقتضيه علمه وحكمته ، وهذا بخلاف ما ذيل قوله:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم"حيث قال:"عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم".
في تفسير العياشي ، عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله:"و من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر - ويتخذ ما ينفق قربات عند الله"أ يثيبهم عليه؟ قال: نعم. وفيه ، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما سبق بين الخيل يوم الرهان. قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمن من الإسباق إلى الإيمان. قال: قول الله تعالى:"سابقوا إلى مغفرة من ربكم - وجنة عرضها كعرض السماء والأرض - أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"وقال:"السابقون السابقون أولئك المقربون". وقال:"و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار - والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه"فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين وأمرهم بإحسان فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده. وفي تفسير البرهان ، عن مالك بن أنس عن أبي صالح عن ابن عباس قال:"و السابقون الأولون"نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو أسبق الناس كلهم بالإيمان وصلى على القبلتين ، وبايع البيعتين بيعة بدر وبيعة الرضوان ، وهاجر الهجرتين مع جعفر من مكة إلى الحبشة ومن الحبشة إلى المدينة.
أقول: وفي معناها روايات أخر.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن كثير والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: لما أنزلت هذه الآية:"و السابقون الأولون إلى قوله ورضوا عنه"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : هذا لأمتي كلهم ، وليس بعد الرضا سخط.