فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 4314

و بعبارة أخرى واضحة: القاعدتان وهما التنازع في البقاء والانتخاب الطبيعي توجبان انحلال الكثرة وعودتها إلى الواحدة فإن كلا من المتنازعين يريد بالنزاع إفناء الآخر وضم ما له من الوجود ومزاياه إلى نفسه ، والطبيعة بالانتخاب تريد أن يكون الواحد الذي هو الباقي منهما أقواهما وأمثلهما فنتيجة جريان القاعدتين فساد الكثرة وبطلانها وتبدلها إلى واحد أمثل ، وهذا أمر ينافي الاجتماع والتعاون والاشتراك في الحياة الذي يطلبه الإنسان بفطرته ويهتدي إليه بغريزته وبه عمارة الأرض بهذا النوع ، لا إفناء قوم منه قوما ، وأكل بعضهم بعضا ، والدفع الذي تعمر به الأرض ويصان عن الفساد هو الدفع الذي يدعو إلى الاجتماع والاتحاد المستقر على الكثرة والجماعة دون الدفع الذي يدعو إلى إبطال الاجتماع وإيجاد الوحدة المفنية للكثرة ، فالقتال سبب لعمارة الأرض وعدم فسادها من حيث إنه يحيا به حقوق اجتماعية حيوية لقوم مستهلكين مستذلين لا من حيث يتشتت به الجمع ويهلك به العين ويمحى به الأثر فافهم.

بحث في التاريخ وما يعتني به القرآن منه

التاريخ النقلي ونعني به ضبط الحوادث الكلية والجزئية بالنقل والحديث مما لم يزل الإنسان من أقدم عهود حياته وأزمان وجوده في الأرض مهتما به ، ففي كل عصر من الأعصار على ما نعلمه عدة من حفظته أو كتابه والمؤلفين فيه ، وآخرون يعتورون ما ضبطه أولئك ويأخذون ما أتحفوهم به ، والإنسان ينتفع به في جهات شتى من حياته كالاجتماع والاعتبار والقص والحديث والتفكه وأمور أخرى سياسية أو اقتصادية أو صناعية وغير ذلك.

وأنه على شرافته وكثرة منافعه لم يزل ولا يزال يعمل فيه عاملان بالفساد يوجبان انحرافه عن صحة الطبع وصدق البيان إلى الباطل والكذب: أحدهما: أنه لا يزال في كل عصر محكوما للحكومة الحاضرة التي بيدها القوة والقدرة يميل إلى إظهار ما ينفعها ويغمض عما يضرها ويفسد الأمر عليها ، وليس ذلك إلا ما لا نشك فيه أن الحكومات المقتدرة في كل عصر تهتم بإفشاء ما تنتفع به من الحقائق وستر ما تستضر به أو تلبيسها بلباس تنتفع به أو تصوير الباطل والكذب بصورة الحق والصدق ، فإن الفرد من الإنسان والمجتمع منه مفطوران على جلب النفع ودفع الضرر بأي نحو أمكن ، وهذا أمر لا يشك فيه من له أدنى شعور يشعر به الأوضاع العامة الحاضرة في زمان حياته ويتأمل به في تاريخ الأمم الماضية والبعيدة.

وثانيهما: أن المتحملين للأخبار والناقلين لها والمؤلفين فيها جميعهم لا يخلون من إعمال الإحساسات الباطنية والعصبيات القومية فيما يتحملون منها أو يقضون فيها ، فإن جملة الأخبار في الماضين ، والحكومة في أعصارهم حكومة الدين ، كانوا منتحلين بنحلة ومتدينين كل بدين ، وكانت الإحساسات المذهبية فيهم قوية والعصبيات القومية شديدة فلا محالة كانت تداخل الأخبار التاريخية من حيث اشتمالها على أحكام وأقضية كما أن العصبية المادية والإحساسات القوية اليوم للحرية على الدين وللهوى على العقل يوجب مداخلات من أهل الأخبار اليوم نظير مداخلات القدماء فيما ضبطوه أو نقلوه ، ومن هنا أنك لا ترى أهل دين ونحلة فيما ألف أو جمع من الأخبار أودع شيئا يخالف مذهبه فما ضبطه أهل كل مذهب موافق لأصول مذهبه ، وكذا الأمر في النقل اليوم لا ترى كلمة تاريخية عملته أيديهم إلا وفيه بعض التأييد للمذهب المادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت