على أن هاهنا عوامل أخرى تستدعي فساد التاريخ ، وهو فقدان وسائل الضبط والأخذ والتحمل والنقل والتأليف والحفظ عن التغير والفقدان سابقا وهذه النقيصة وإن ارتفعت اليوم بتقارب البلاد وتراكم وسائل الاتصال وسهولة نقل الأخبار والانتقال والتحول لكن عمت البلية من جهة أخرى وهي: أن السياسة داخلت جميع شئون الإنسان في حياته ، فالدنيا اليوم تدور مدار السياسة الفنية ، وبحسب تحولها تتحول الأخبار من حال إلى حال ، وهذا مما يوجب سوء الظن بالتاريخ حتى كاد أن يورده مورد السقوط ، ووجود هذه النواقص أو النواقض في التاريخ النقلي هو السبب أو عمدة السبب في إعراض العلماء اليوم عنه إلى تأسيس القضايا التاريخية على أساس الآثار الأرضية ، وهذا وإن سلمت عن بعض الإشكالات المذكورة كالأول مثلا ، لكنها غير خالية عن الباقي ، وعمدته مداخلة المؤرخ بما عنده من الإحساس والعصبية في الأقضية ، وتصرف السياسة فيها إفشاء وكتمانا وتغييرا وتبديلا ، فهذا حال التاريخ وما معه من جهات الفساد الذي لا يقبل الإصلاح أبدا.
ومن هنا يظهر: أن القرآن الشريف لا يعارض في قصصه بالتاريخ إذا خالفه ، فإنه وحي إلهي منزه عن الخطإ مبرأ عن الكذب ، فلا يعارضه من التاريخ ما لا مؤمن له يؤمنه من الكذب والخطإ ، فأغلب القصص القرآنية كنفس هذه القصة قصة طالوت يخالف ما يوجد في كتب العهدين ، ولا ضير فيه فإن كتب العهدين لا تزيد على التواريخ المعمولة التي قد علمت كيفية تلاعب الأيدي فيها وبها ، على أن مؤلف هذه القصة وهي قصة صموئيل وشارل بلسان العهدين ، غير معلوم الشخص أصلا ، وكيف كان فلا نبالي بمخالفة القرآن لما يوجد منافيا له في التواريخ وخاصة في كتب العهدين ، فالقرآن هو الكلام الحق من الحق عز اسمه.
على أن القرآن ليس بكتاب تاريخ ولا أنه يريد في قصصه بيان التاريخ على حد ما يرومه كتاب التاريخ ، وإنما هو كلام إلهي مفرغ في قالب الوحي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ولذلك لا تراه يقص قصة بتمام أطرافها وجهات وقوعها ، وإنما يأخذ من القصة نكات متفرقة يوجب الإمعان والتأمل فيها حصول الغاية من عبرة أو حكمة أو موعظة أو غيرها.
كما هو مشهود في هذه القصة قصة طالوت وجالوت حيث يقول تعالى: أ لم تر إلى الملإ من بني إسرائيل ، ثم يقول: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا"إلخ"، ثم يقول: وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه ، ثم يقول: فلما فصل طالوت"إلخ"، ثم يقول ولما برزوا لجالوت ، ومن المعلوم أن اتصال هذه الجمل بعضها إلى بعض في تمام الكلام يحتاج إلى قصة طويلة ، وقد نبهناك بمثله فيما مر من قصة البقرة ، وهو مطرد في جميع القصص المقتصة في القرآن ، لا يختص بالذكر منها إلا مواضع الحاجة فيها: من عبرة وموعظة وحكمة أو سنة إلهية في الأيام الخالية والأمم الدارجة ، قال تعالى:"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب": يوسف - 111 ، وقال تعالى:"يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم:"النساء - 26 ، وقال تعالى:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين:"آل عمران - 138 ، إلى غير ذلك من الآيات.