3 سورة آل عمران - 96 - 97
إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِى بِبَكّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَلَمِينَ (96) فِيهِ ءَايَت بَيِّنَتٌ مّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كانَ ءَامِنًا وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ استَطاعَ إِلَيْهِ سبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَنىّ عَنِ الْعَلَمِينَ (97)
الآيتان جواب عن شبهة أخرى كانت اليهود توردها على المؤمنين من جهة النسخ ، وهي ما حدث في أمر القبلة بتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة ، وقد مر في تفسير قوله تعالى:"فول وجهك شطر المسجد الحرام"الآية: البقرة - 144 أن تحويل ، القبلة كان من الأمور الهامة التي كانت له تأثيرات عميقة مادية ومعنوية في حيوة أهل الكتاب - وخاصة اليهود - مضافا إلى كونه مخالفا لمذهبهم من النسخ ، ولذلك طالت المشاجرات والمشاغبات بينهم وبين المسلمين بعد نزول حكم القبلة إلى أمد بعيد.
والمستفاد من الآية - إن أول بيت"الخ"- أنهم جمعوا في شبهتهم بين شبهة النسخ وبين انتساب الحكم إلى ملة إبراهيم فيكون محصل الشبهة: أن الكعبة كيف يمكن أن يكون قبلة في ملة إبراهيم مع أن الله جعل بيت المقدس قبلة وهل هذا إلا القول بحكم نسخي في ملة إبراهيم الحقة مع كون النسخ محالا باطلا؟.
والجواب: أن الكعبة موضوعة للعبادة قبل غيرها كبيت المقدس فلقد بناها إبراهيم من غير شك ووضعها للعبادة ، وفيها آيات بينات تدل على ذلك كمقام إبراهيم ، وأما بيت المقدس فبانيه سليمان وهو بعد إبراهيم بقرون.
قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة إلى آخر الآية ، البيت معروف ، والمراد بوضع البيت للناس وضعه لعبادتهم وهو أن يجعلوه ذريعة يتوسل به إلى عبادة الله سبحانه ، ويستعان به فيها بأن يعبد الله فيه ، وبقصده والمسير إليه وغير ذلك ، والدليل على ذلك ما يشتمل عليه الكلام من كونه مباركا وهدى للعالمين وغير ذلك ، ويشعر به التعبير عن الكعبة بالذي ببكة فإن فيه تلويحا إلى ازدحام الناس عنده في الطواف والصلوة وغيرهما من العبادات والمناسك ، وأما كونه أول بيت بني على الأرض ووضع لينتفع به الناس فلا دلالة على ذلك من جهة اللفظ.
والمراد ببكة أرض البيت سميت بكة لازدحام الناس فيها ، وربما قيل إن بكة هي مكة ، وأنه من تبديل الميم باء كما في قولهم لازم ولازب وراتم وراتب ونحو ذلك ، وقيل: هو اسم للحرم ، وقيل: المسجد ، وقيل: المطاف.
والمباركة مفاعلة من البركة وهي الخير الكثير ، فالمباركة إفاضة الخير الكثير عليه وجعله فيه ، وهي وإن كانت تشمل البركات الدنيوية والأخروية ، إلا أن ظاهر مقابلتها مع قوله: هدى للعالمين أن المراد بها إفاضة البركات الدنيوية وعمدتها وفور الأرزاق وتوفر الهمم والدواعي إلى عمرانه بالحج إليه والحضور عنده والاحترام له وإكرامه فيئول المعنى إلى ما يتضمنه قوله تعالى في دعوة إبراهيم:"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون": إبراهيم - 37.
وكونه هدى هو إراءته للناس سعادة آخرتهم ، وإيصاله إياهم إلى الكرامة والقرب والزلفى بما وضعه الله للعبادة ، وبما شرع عنده من أقسام الطاعات والنسك ولم يزل منذ بناه إبراهيم مقصدا للقاصدين ومعبدا للعابدين.
وقد دل القرآن على أن الحج شرع أول ما شرع في زمن إبراهيم (عليه السلام) بعد الفراغ من بنائه ، قال تعالى:"و عهدنا إلى إبراهيم وإسمعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود": البقرة - 125 ، وقال: خطابا لإبراهيم:"و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق": الحج - 27 ، والآية كما ترى تدل على أن هذا الأذان والدعوة سيقابل بتلبية عامة من الناس الأقربين والأبعدين من العشائر والقبائل.
ودل أيضا على أن هذا الشعار الإلهي كان على استقراره ومعروفيته في زمن شعيب عند الناس كما حكاه الله عنه في قوله لموسى (عليه السلام) :"إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك": القصص - 27 ، فقد أراد بالحج سنة وليس إلا لكون السنين تعد بالحج لتكررها بتكرره.