فهرس الكتاب

الصفحة 4131 من 4314

74 سورة المدثر - 1 - 7

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا الْمُدّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبّك فَكَبرْ (3) وَثِيَابَك فَطهِّرْ (4) وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُن تَستَكْثرُ (6) وَلِرَبِّك فَاصبرْ (7)

تتضمن السورة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإنذار في سياق يلوح منه كونه من أوامر أوائل البعثة ثم الإشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم وجلالة قدره ، والوعيد الشديد على من يواجهه بالإنكار والرمي بالسحر ، وذم المعرضين عن دعوته.

والسورة مكية من العتائق النازلة في أوائل البعثة وظهور الدعوة حتى قيل: إنها أول سورة نزلت من القرآن وإن كان يكذبه نفس آيات السورة الصريحة في سبق قراءته (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن على القوم وتكذيبهم به وإعراضهم عنهم ورميهم له بأنه سحر يؤثر.

ولذا مال بعضهم إلى أن النازل أولا هي الآيات السبع الواقعة في أول السورة ولازمه كون السورة غير نازلة دفعة وهو وإن كان غير بعيد بالنظر إلى متن الآيات السبع لكن يدفعه سياق أول سورة العلق الظاهر في كونه أول ما نزل من القرآن.

واحتمل بعضهم أن تكون السورة أول ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الأمر بإعلان الدعوة بعد إخفائها مدة في أول البعثة فهي في معنى قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين": الحجر 94 ، وبذلك جمع بين ما ورد من أنها أول ما نزل ، وما ورد أنها نزلت بعد سورة العلق ، وما ورد أن سورتي المزمل والمدثر نزلتا معا ، وهذا القول لا يتعدى طور الاحتمال.

وكيف كان فالمتيقن أن السورة من أوائل ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السور القرآنية ، والآيات السبع التي نقلناها تتضمن الأمر بالإنذار وسائر الخصال التي تلزمه مما وصاه الله به.

قوله تعالى:"يا أيها المدثر"المدثر بتشديد الدال والثاء أصله المتدثر اسم فاعل من التدثر بمعنى التغطي بالثياب عند النوم.

والمعنى: يا أيها المتغطي بالثياب للنوم خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان على هذه الحال فخوطب بوصف مأخوذ من حاله تأنيسا وملاطفة نظير قوله:"يا أيها المزمل".

وقيل: .

المراد بالتدثر تلبسه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة بتشبيهها بلباس يتحلى به ويتزين وقيل: المراد به اعتزاله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيبته عن النظر فهو خطاب له بما كان عليه في غار حراء ، وقيل: المراد به الاستراحة والفراغ فكأنه قيل له (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أيها المستريح الفارغ قد انقضى زمن الراحة وأقبل زمن متاعب التكاليف وهداية الناس.

وهذه الوجوه وإن كانت في نفسها لا بأس بها لكن الذي يسبق إلى الذهن هو المعنى الأول.

قوله تعالى:"قم فأنذر"الظاهر أن المراد به الأمر بالإنذار من غير نظر إلى من ينذر فالمعنى افعل الإنذار ، وذكر بعضهم أن مفعول الفعل محذوف ، والتقدير أنذر عشيرتك الأقربين لمناسبته لابتداء الدعوة كما ورد في سورة الشعراء.

وذكر آخرون أن المفعول المحذوف عام وهو جميع الناس لقوله:"و ما أرسلناك إلا كافة للناس": سبأ: 28.

ولم يذكر التبشير مع الإنذار مع أنهما كالمتلازمين في تمام الدعوة لأن السورة مما نزل في ابتداء الدعوة والإنذار هو الغالب إذ ذاك.

قوله تعالى:"و ربك فكبر"أي أنسب ربك إلى الكبرياء والعظمة اعتقادا وعملا قولا وفعلا وهو تنزيهه تعالى من أن يعادله أو يفوقه شيء فلا شيء يشاركه أو يغلبه أو يمانعه ، ولا نقص يعرضه ، ولا وصف يحده.

ولذا ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن معنى التكبير: الله أكبر من أن يوصف ، فهو تعالى أكبر من كل وصف نصفه به حتى من هذا الوصف ، وهذا هو المناسب للتوحيد الإسلامي الذي يفوق ما نجده من معنى التوحيد في سائر الشرائع السماوية.

وهذا الذي ذكرناه هو الفرق بين كلمتي التكبير والتسبيح - الله أكبر وسبحان الله - فسبحان الله تنزيه له تعالى عن كل وصف عدمي مبني على النقص كالموت والعجز والجهل وغير ذلك ، والله أكبر تنزيه مطلق له تعالى عن كل وصف نصفه به أعم من أن يكون عدميا أو وجوديا حتى من نفس هذا الوصف لما أن كل مفهوم محدود في نفسه لا يتعدى إلى غيره من المفاهيم وهو تعالى لا يحيط به حد ، فافهم ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت