6 سورة الأنعام - 84 - 90
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسحَقَ وَيَعْقُوب كلاّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيّتِهِ دَاوُدَ وَسلَيْمَنَ وَأَيّوب وَيُوسف وَمُوسى وَهَرُونَ وَكَذَلِك نجْزِى الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيّا وَيحْيى وَعِيسى وَإِلْيَاس كلّ مِّنَ الصلِحِينَ (85) وَإِسمَعِيلَ وَالْيَسعَ وَيُونُس وَلُوطًا وَكلاّ فَضلْنَا عَلى الْعَلَمِينَ (86) وَمِنْ ءَابَائهِمْ وَذُرِّيّتهِمْ وَإِخْوَنهِمْ وَاجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلى صرَطٍ مّستَقِيمٍ (87) ذَلِك هُدَى اللّهِ يهْدِى بِهِ مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشرَكُوا لَحَبِط عَنْهُم مّا كانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئك الّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَب وَالحُْكمَ وَالنّبُوّةَ فَإِن يَكْفُرْ بهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكلْنَا بهَا قَوْمًا لّيْسوا بهَا بِكَفِرِينَ (89) أُولَئك الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لا أَسئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ (90)
اتصال الآيات بما قبلها واضح لا يحتاج إلى بيان فهي من تتمة حديث إبراهيم (عليه السلام) ، والآيات وإن اشتملت على بعض الامتنان عليه وعلى من عد معه من الأنبياء كما هو ظاهر قوله تعالى:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب"وقوله:"و كذلك نجزي المحسنين"وقوله:"و كلا فضلنا على العالمين"إلى غير ذلك لكنها ليست مسوقة لذلك فحسب كما يظهر من بعض المفسرين بل لبيان النعم الجسيمة والأيادي الجميلة الإلهية التي يتعقبها التوحيد الفطري والاهتداء بالهداية الإلهية.
فإن ذلك هو الموافق لغرض هذه السورة التي تبين فيها مسألة التوحيد على ما تهدي إليه الفطرة التي فطر الناس عليها ، وقد تقدم أن قصة إبراهيم (عليه السلام) بالنسبة إلى الآيات السابقة من السورة بمنزلة المثال المضروب لبيان عام.
وفي سياق الآيات مضافا إلى بيان التوحيد بيان أن عقيدة التوحيد محفوظة بين الناس في سلسلة متصلة ركبت حلقاتها بعضها على بعض بهداية إلهية وعناية خاصة ربانية حفظ الله بها الفطرة الإلهية من أن تضيع بالأهواء الشيطانية ، وتسقط رأسا من الفعلية فيبطل بذلك غرض الخلقة ويذهب سدى كما يشعر بذلك قوله:"و وهبنا له"إلخ ، وقوله:"و نوحا هدينا من قبل ومن ذريته"إلخ ، وقوله:"و من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم"وقوله:"فإن يكفر بها هؤلاء"إلخ.
وفي طي الآيات بيان ما تمتاز به الهداية الإلهية من غيرها من الخصائص وهي الاجتباء واستقامة الصراط وإيتاء الكتاب والحكم والنبوة على ما سيجيء من البيان إن شاء الله.
قوله تعالى:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا"إسحاق هو ابن إبراهيم ويعقوب هو ابن إسحاق (عليه السلام) ، وقوله:"كلا هدينا"قدم فيه كلا للدلالة على أن الهداية الإلهية تعلقت بكل واحد من المعدودين استقلالا لا أنها تعلقت ببعضهم استقلالا كإبراهيم وبغيره بتبعه ، فهو بمنزلة أن يقال: هدينا إبراهيم وهدينا إسحاق وهدينا يعقوب.
كما قيل.
قوله تعالى:"و نوحا هدينا من قبل"فيه إشعار بأن سلسلة الهداية غير منقطعة ولا مبتدئة من إبراهيم (عليه السلام) بل كانت الرحمة قبله شاملة لنوح (عليه السلام) .
قوله تعالى:"و من ذريته داود وسليمان - إلى قوله - وكذلك نجزي المحسنين"الضمير في"ذريته"راجع إلى نوح ظاهرا لأنه المرجع القريب لفظا ، ولأن في المعدودين من ليس هو من ذرية إبراهيم مثل لوط وإلياس على ما قيل.
وربما قيل: إن الضمير يعود إلى إبراهيم (عليه السلام) وقد ذكر لوط وإلياس (عليهما السلام) من الذرية تغليبا قال:"و وهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب": العنكبوت: 27 أو أن المراد بالذرية هم الستة المذكورون في هذه الآية دون الباقين ، وأما قوله:"و زكريا"إلخ ، وقوله:"و إسماعيل"إلخ ، فمعطوفان على قوله: ومن"ذريته"لا على قوله:"داود"إلخ ، وهو بعيد من السياق.