و أما قوله:"و كذلك نجزي المحسنين"فالظاهر أن المراد بهذا الجزاء هو الهداية الإلهية المذكورة ، وإليها الإشارة بقوله"كذلك"والإتيان بلفظ الإشارة البعيد لتفخيم أمر هذه الهداية فهو نظير قوله:"كذلك يضرب الله الأمثال": الرعد: 17 والمعنى نجزي المحسنين على هذا المثال.
قوله تعالى:"و زكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين"تقدم الكلام في معنى الإحسان والصلاح فيما سلف من المباحث وفي ذكر عيسى بين المذكورين من ذرية نوح (عليه السلام) وهو إنما يتصل به من جهة أمه مريم دلالة واضحة على أن القرآن الكريم يعتبر أولاد البنات وذريتهن أولادا وذرية حقيقة ، وقد تقدم استفادة نظير ذلك من آية الإرث وآية محرمات النكاح ، وللكلام تتمة ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و إسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين"الظاهر أن المراد بإسماعيل هو ابن إبراهيم أخو إسحاق (عليهما السلام) وقوله:"اليسع"بفتحتين كأسد وقرىء"الليسع"كالضيغم أحد أنبياء بني إسرائيل ذكر الله اسمه مع إسماعيل (عليه السلام) كما في قوله:"و اذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار": ص: 48 ولم يذكر شيئا من قصته في كلامه.
وأما قوله:"و كلا فضلنا على العالمين"فالعالم هو الجماعة من الناس كعالم العرب وعالم العجم وعالم الروم ، ومعنى تفضيلهم على العالمين تقديمهم بحسب المنزلة على عالمي زمانهم لما أن الهداية الخاصة الإلهية أخذتهم بلا واسطة ، وأما غيرهم فإنما تشملهم رحمة الهداية بواسطتهم ، ويمكن أن يكون المراد تفضيلهم بما أنهم طائفة مهدية بالهداية الفطرية الإلهية من غير واسطة على جميع العالمين من الناس سواء عاصروهم أو لم يعاصروهم فإن الهداية الإلهية من غير واسطة نعمة يتقدم بها من تلبس بها على من لم يتلبس ، وقد شملت المذكورين من الأنبياء ومن لحق بهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فالمجتمع الحاصل منهم مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل إلهي.
وبالجملة الملاك في أمر هذا التفضيل هو التلبس بتلك الهداية الإلهية التي لا واسطة فيها ، والأنبياء فضلوا على غيرهم بسبب التلبس بها فلو فرض تلبس من غيرهم بهذه الهداية كالملائكة كما ربما يظهر من كلامه تعالى وكالأئمة على ما تقدم في البحث عن قوله تعالى:"و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات": البقرة: 124 في الجزء الأول من الكتاب فلا يفضل عليهم الأنبياء (عليهم السلام) من هذه الحيثية وإن أمكن أن يفضلوا عليهم من جهة أخرى غير جهة الهداية.
ومن هنا يظهر: أن استدلال بعضهم بالآية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ليس في محله.
ويظهر أيضا أن المراد بالتفضيل إنما هو التفضيل من حيث الهداية الإلهية الخاصة التي أخذتهم من غير توسط أحد ، وأما كونهم أهل الاجتباء وأهل الصراط المستقيم وأهل الكتاب والحكم والنبوة فأمر خارج عن مصب التفضيل المذكور في هذه الآية.
واعلم أن الذي وقع في الآيات الثلاث من ذكر من عدده الله تعالى من الأنبياء بأسمائهم - وهم سبعة عشر نبيا - لم يراع فيه الترتيب الذي بينهم لا بحسب الزمان وهو ظاهر ، ولا بحسب الرتبة والفضيلة فإن فيهم نوحا وموسى وعيسى (عليهما السلام) ، وهم أفضل من باقي المذكورين بنص الكتاب كما تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب وقد قدم عليهم غيرهم في الذكر.
وقد ذكر صاحب المنار في وجه الترتيب المأخوذ في الآيات الثلاث بين الأنبياء المسمين فيها - وهم أربعة عشر نبيا - ما ملخصه: أنه تعالى جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم.
فالقسم الأول: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ، والمعنى الجامع بينهم أن الله تعالى آتاهم الملك والإمارة والحكم والسيادة مع النبوة والرسالة ، وقد قدم ذكر داود وسليمان وكانا ملكين غنيين منعمين ، وذكر بعدهما أيوب ويوسف ، وكان أيوب أميرا غنيا عظيما محسنا ، وكان يوسف وزيرا عظيما وحاكما متصرفا ، وقد ابتليا بالضراء فصبرا وبالسراء فشكرا ، وبعد ذلك موسى وهارون وكانا حاكمين في قومهما ولم يكونا ملكين.