فهرس الكتاب

الصفحة 2455 من 4314

قوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"صدر الآية مسوق سوق الحصر ، وظاهر السياق أن الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من أهذار الجنون وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته وأن القرآن كتاب سماوي حق.

والمعنى - على هذا والله أعلم - أن هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدة بطشهم وتتكلف لحفظه ثم لا تقدر ، وليس نازلا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالا تدريجيا وإنا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.

فهو ذكر حي خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله ، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا مصون من النقص كذلك ، مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا لله مبينا لحقائق معارفه.

فالآية تدل على كون كتاب الله محفوظا من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكرا لله سبحانه فهو ذكر حي خالد.

ونظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ الله مصونا من التحريف والتصرف بأي وجه كان من جهة كونه ذكرا له سبحانه قوله تعالى:"إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد": حم السجدة: 42.

وقد ظهر بما تقدم أن اللام في الذكر للعهد الذكري وأن المراد بالوصف لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل فيندفع به ما ربما يورد على الآية أنها لو دلت على نفي التحريف من القرآن لأنه ذكر لدلت على نفيه من التوراة والإنجيل أيضا لأن كلا منهما ذكر مع أن كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما.

وذلك أن الآية بقرينة السياق إنما تدل على حفظ الذكر الذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد ، ولا دلالة فيها على علية الذكر للحفظ الإلهي ودوران الحكم مداره.

وسنستوفي البحث عما يرجع إلى هذا الشأن إن شاء الله تعالى.

في تفسير القمي ، بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله: لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ثم قال:"ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل"أي شغلهم فسوف يعلمون"."

أقول: وروى العياشي ، عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) : في تفسير الآية مثله.

وفي الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار. ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ربما يود الذين كفرا لو كانوا مسلمين".

أقول: وهذا المعنى مروي بطرق أخرى عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت