فهرس الكتاب

الصفحة 2663 من 4314

قوله تعالى:"ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا"قد تقدم أن الآية وما بعدها تتمة السياق السابق ، وعلى ذلك فصدر الآية من تمام كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر بإلقائه على المؤمنين بقوله:"قل لعبادي يقولوا"إلخ وذيل الآية خطاب للنبي خاصة فلا التفات في الكلام.

ويمكن أن يكون الخطاب في صدر الآية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعا بتغليب جانب خطابه على غيبتهم ، وهذا أنسب بسياق الآية السابقة وتلاحق الكلام ، والكلام لله جميعا.

وكيف كان فقوله:"ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم"في مقام تعليل الأمر السابق ثانيا ، ويفيد أنه يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من إغلاظ القول على غيرهم والقضاء بما الله أعلم به من سعادة أو شقاء كأن يقولوا: فلان سعيد بمتابعة النبي وفلان شقي وفلان من أهل الجنة وفلان من أهل النار وعليهم أن يرجعوا الأمر ويفوضوه إلى ربهم فربكم - والخطاب للنبي وغيره - أعلم بكم وهو يقضي فيكم على ما علم من استحقاق الرحمة أو العذاب إن يشأ يرحمكم ولا يشاء ذلك إلا مع الإيمان والعمل الصالح على ما بينه في كلامه أو إن يشأ يعذبكم ولا يشاء ذلك إلا مع الكفر والفسوق ، وما جعلناك أيها النبي عليهم وكيلا مفوضا إليه أمرهم حتى تختار لمن تشاء ما تشاء فتعطي هذا وتحرم ذاك.

ومن ذلك يظهر أن الترديد في قوله:"إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم"باعتبار المشية المختلفة باختلاف الموارد بالإيمان والكفر والعمل الصالح والطالح وأن قوله:"و ما أرسلناك عليهم وكيلا"لردع المؤمنين عن أن يعتمدوا في نجاتهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والانتساب إلى قبول دينه نظير قوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به": النساء: 123 وقوله:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم": البقرة: 62 وآيات أخرى في هذا المعنى.

وفي الآية أقوال أخر تركنا التعرض لها لعدم الجدوى.

قوله تعالى:"و ربك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا"صدر الآية توسعة في معنى التعليل السابق كأنه قيل: وكيف لا يكون أعلم بكم وهو أعلم بكم وهو أعلم بمن في السماوات والأرض وأنتم منهم.

وقوله:"و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض"كأنه تمهيد لقوله:"و آتينا داود زبورا"والجملة تذكر فضل داود (عليه السلام) بكتابه الذي هو زبور وفيه أحسن الكلمات في تسبيحه وحمده تعالى ، وفيه تحريض للمؤمنين أن يرغبوا في أحسن القول ويتأدبوا بالأدب الجميل في المحاورة والكلام.

ولهم في تفسير الآية أقوال أخرى تركنا التعرض لها ومن أرادها فليراجع المطولات.

في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"لو كان معه آلهة كما يقولون - إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا"قال: قال: لو كانت الأصنام آلهة كما تزعمون لصعدوا إلى العرش أقول: أي لاستولوا على ملكه تعالى وأخذوا بأزمة الأمور وأما العرش بمعنى الفلك المحدد للجهات أو جسم نوراني عظيم فوق العالم الجسماني كما ذكره بعضهم فلا دليل عليه من الكتاب ، وعلى تقدير ثبوته لا ملازمة بين الربوبية والصعود على هذا الجسم.

وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن نوحا لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء ، وبها يرزق كل شيء.

أقول: قد ظهر مما قدمناه في معنى تسبيح الأشياء الارتباط المشار إليه في الرواية بين تسبيح كل شيء وبين رزقه فإن الرزق يقدر بالحاجة والسؤال وكل شيء إنما يسبح الله تعالى بالإشارة بإظهار حاجته ونقصه إلى تنزهه تعالى من ذلك.

وفي تفسير العياشي ، عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: قول الله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده"قال: كل شيء يسبح بحمده ، وإنا لنرى أن تنقض الجدر هو تسبيحها: أقول: ورواه أيضا عن الحسين بن سعيد عنه (عليه السلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت