فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 4314

2 سورة البقرة - 189

يَسئَلُونَك عَنِ الأَهِلّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيت لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْس الْبرّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوت مِن ظهُورِهَا وَلَكِنّ الْبرّ مَنِ اتّقَى وَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ أَبْوَبِهَا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكمْ تُفْلِحُونَ (189)

قوله تعالى: يسئلونك إلى قوله: والحج ، الأهلة جمع هلال ويسمى القمر هلالا أول الشهر القمري إذا خرج من تحت شعاع الشمس الليلة الأولى والثانية كما قيل ، وقال بعضهم الليالي الثلاثة الأول ، وقال بعضهم حتى يتحجر ، والتحجر أن يستدير بخطة دقيقة ، وقال بعضهم: حتى يبهر نوره ظلمة الليل وذلك في الليلة السابعة ثم يسمى قمرا ويسمى في الرابعة عشر بدرا ، واسمه العام عند العرب الزبرقان.

والهلال مأخوذ من استهل الصبي إذا بكى عند الولادة أو صاح ، ومن قولهم: أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ، سمي به لأن الناس يهلون بذكره إذا رأوا.

والمواقيت جمع ميقات وهو الوقت المضروب للفعل ، ويطلق أيضا: على المكان المعين للفعل كميقات أهل الشام وميقات أهل اليمن ، والمراد هاهنا الأول.

وفي قوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة ، وإن لم يشرح أن السؤال في أمرها عما ذا؟ عن حقيقة القمر وسبب تشكلاتها المختلفة في صور الهلال والقمر والبدر كما قيل ، أو عن حقيقة الهلال فقط ، الظاهر بعد المحاق في أول الشهر القمري كما ذكره بعضهم ، أو عن غير ذلك.

ولكن إتيان الهلال في السؤال بصورة الجمع حيث قيل: يسئلونك عن الأهلة دليل على أن السؤال لم يكن عن ماهية القمر واختلاف تشكلاته إذ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: يسألونك عن القمر لا عن الأهلة ، وأيضا لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب تشكله الخاص كان الأنسب أن يقال: يسألونك عن الهلال إذ لا غرض حينئذ يتعلق بالجمع ، ففي إتيان الأهلة بصيغة الجمع دلالة على أن السؤال إنما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالا بعد هلال ورسمه الشهور القمرية ، وعبر عن ذلك بالأهلة لأنها هي المحققة لذلك فأجيب بالفائدة.

ويستفاد ذلك من خصوص الجواب: قل هي مواقيت للناس والحج ، فإن المواقيت وهي الأزمان المضروبة للأفعال ، والأعمال إنما هي الشهور دون الأهلة التي ليست بأزمنة وإنما هي أشكال وصور في القمر.

وبالجملة قد تحصل أن الغرض في السؤال إنما كان متعلقا بشأن الشهور القمرية من حيث السبب أو الفائدة فأجيب ببيان الفائدة وأنها أزمان وأوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم فإن الإنسان لا بد له من حيث الخلقة من أن يقدر أفعاله وأعماله التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان ، ولازم ذلك أن يتقطع الزمان الممتد الذي ينطبق عليه أمورهم قطعا صغارا وكبارا مثل الليل والنهار واليوم والشهر والفصول والسنين بالعناية الإلهية التي تدبر أمور خلقه وتهديهم إلى صلاح حياتهم ، والتقطيع الظاهر الذي يستفيد منه العالم والجاهل والبدوي والحضري ويسهل حفظه على الجميع إنما هو تقطيع الأيام بالشهور القمرية التي يدركه كل صحيح الإدراك مستقيم الحواس من الناس دون الشهور الشمسية التي ما تنبه لشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلا بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائما.

فالشهور القمرية أوقات مضروبة معينة للناس في أمور دينهم ودنياهم وللحج خاصة فإنه أشهر معلومات ، وكان اختصاص الحج بالذكر ثانيا تمهيد لما سيذكر في الآيات التالية من اختصاصه ببعض الشهور.

قوله تعالى: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إلى قوله: من أبوابها ، ثبت بالنقل أن جماعة من عرب الجاهلية كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب بل اتخذوا نقبا من ظهورها ودخلوا منه فنهى عن ذلك الإسلام وأمرهم بدخول البيوت من أبوابها ، ونزول الآية يقبل الانطباق على هذا الشأن ، وبذلك يصح الاعتماد على ما نقل من شأن نزول الآية على ما سيأتي نقله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت