قوله تعالى:"و إذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا"إلخ ، ضمائر الإفراد للقرآن ، واللام في"الحق"للعهد والمعنى وإذا يقرأ القرآن عليهم قالوا: آمنا به إنه الحق الذي نعهده من ربنا فإنه عرفناه من قبل.
وقوله:"إنا كنا من قبله مسلمين"تعليل لكونه حقا معهودا عندهم أي إنا كنا من قبل نزوله مسلمين له أو مؤمنين للدين الذي يدعو إليه ويسميه إسلاما.
وقيل: الضميران للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تقدم أوفق للسياق ، وكيف كان فهم يعنون بذلك ما قرءوه في كتبهم من أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتاب النازل عليه كما يشير إليه قوله تعالى:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف: 157 ، وقوله:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل": الشعراء: 197.
قوله تعالى:"أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة"إلخ في الآية وعد جميل لهم على ما فعلوا ومدح لهم على حسن سلوكهم ومداراتهم مع جهلة المشركين ولذا كان الأقرب إلى الفهم أن يكون المراد بإيتائهم أجرهم مرتين إيتاؤهم أجر الإيمان بكتابهم وأجر الإيمان بالقرآن وصبرهم على الإيمان بعد الإيمان بما فيهما من كلفة مخالفة الهوى.
وقيل: المراد إيتاؤهم الأجر بما صبروا على دينهم وعلى أذى الكفار وتحمل المشاق وقد عرفت ما يؤيده السياق.
وقوله:"و يدرءون بالحسنة السيئة"إلخ الدرء الدفع ، والمراد بالحسنة والسيئة قيل: الكلام الحسن والكلام القبيح ، وقيل: العمل الحسن والسيىء وهما المعروف والمنكر ، وقيل: الخلق الحسن والسيىء وهما الحلم والجهل ، وسياق الآيات أوفق للمعنى الأخير فيرجع المعنى إلى أنهم يدفعون أذى الناس عن أنفسهم بالمدارأة ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم"إلخ ، المراد باللغو لغو الكلام بدليل تعلقه بالسمع ، والمراد سقط القول الذي لا ينبغي الاشتغال به من هذر أو سب وكل ما فيه خشونة ، ولذا لما سمعوه أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وهو متاركة ، وقوله:"سلام عليكم"أي أمان منا لكم ، وهو أيضا متاركة وتوديع تكرما كما قال تعالى:"و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".
وقوله:"لا نبتغي الجاهلين"أي لا نطلبهم بمعاشرة ومجالسة ، وفيه تأكيد لما تقدمه ، وهو حكاية عن لسان حالهم إذ لو تلفظوا به لكان من مقابلة السيىء بالسيىء.
قوله تعالى:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين"المراد بالهداية الإيصال إلى المطلوب ومرجعه إلى إفاضة الإيمان على القلب ومعلوم أنه من شأنه تعالى لا يشاركه فيه أحد ، وليس المراد بها إراءة الطريق فإنه من وظيفة الرسول لا معنى لنفيه عنه ، والمراد بالاهتداء قبول الهداية.
لما بين في الآيات السابقة حرمان المشركين وهم قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من نعمة الهداية وضلالهم باتباع الهوى واستكبارهم عن الحق النازل عليهم وإيمان أهل الكتاب به واعترافهم بالحق ختم القول في هذا الفصل من الكلام بأن أمر الهداية إلى الله لا إليك يهدي هؤلاء وهم من غير قومك الذين تدعوهم ولا يهدي هؤلاء وهم قومك الذين تحب اهتداءهم وهو أعلم بالمهتدين.
في الدر المنثور ، أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة. أ لم تر إلى قوله تعالى:"و لقد آتينا موسى الكتاب - من بعد ما أهلكنا القرون الأولى"؟ أقول: وفي دلالة الآية على الإهلاك بخصوص العذاب السماوي ثم انقطاعه بنزول التوراة خفاء.