قوله تعالى:"و الله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"الدعاء والدعوة عطف نظر المدعو إلى ما يدعى إليه وجلب توجهه وهو أعم من النداء فإن النداء يختص بباب اللفظ والصوت ، والدعاء يكون باللفظ والإشارة وغيرهما ، والنداء إنما يكون بالجهر ولا يقيد به الدعاء.
والدعاء في الله سبحانه تكويني وهو إيجاد ما يريده لشيء كأنه يدعوه إلى ما يريده ، قال تعالى:"يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده": إسراء: - 52 أي يدعوكم إلى الحياة الأخروية فتستجيبون إلى قبولها ، وتشريعي وهو تكليف الناس بما يريده من دين بلسان آياته ، والدعاء من العبد لربه عطف رحمته وعنايته إلى نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية ، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاء لأن العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية والذلة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه وهو الدعاء.
وإلى ذلك يشير قوله تعالى:"و قال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين:"المؤمن - 60 حيث عبر أولا بالدعاء ثم بدله ثانيا العبادة.
وقد التبس الأمر على صاحب المنار فقال في تفسيره: إن قول بعض المفسرين وغيرهم: إن من معاني الدعاء العبادة لا يصح على إطلاقه في العبادة الشرعية التكليفية فإن الصيام لا يسمى دعاء لغة ولا شرعا وإنما الدعاء هو مخ العبادة الفطرية وأعظم أركان التكليفية منها كما ورد في الحديث فكل دعاء شرعي عبادة وما كل عبادة شرعية دعاء.
انتهى ومنشأ خطئه زعمه أن معنى الدعاء هو النداء للطلب وغفلته عما تقدم من تحليل معناه.
والأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات ، هو التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة ، وإليه يرجع معناه في جميع مشتقاته ، والسلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة ، والظاهر أن السلام والأمن متقاربان معنى ، وإنما الفارق أن السلام هو الأمن مأخوذا في نفسه ، والأمن هو السلام مضافا إلى ما يسلم منه يقال: هو في سلام ، وهو في أمن من كذا وكذا.
والسلام من أسمائه تعالى لأن ذاته المتعالية نفس الخير الذي لا شر فيه ، وتسمى الجنة دار السلام حيث لا شر فيها ولا ضر على ساكنها ، وقيل: إنما سميت دار السلام لأنها دار الله الذي هو السلام ، والمال واحد في الحقيقة لأنه تعالى إنما سمي سلاما لبراءته من كل شر وسوء ، وفي سياق الآية ما يشعر بكون معنى السلام الوصفي مقصودا في الكلام.
وقد أطلق سبحانه السلام ولم يقيده بشيء ولا ورد في كلامه ما يقيده ببعض الحيثيات فهو دار السلام على الإطلاق وليست إلا الجنة فإن ما يوجد عندنا في الدنيا من السلام إنما هو الإضافي دون المطلق فما من شيء إلا وهو مزاحم ممنوع من بعض ما يحبه ويهواه ، وما من حال إلا وفيه مقارنات من الأضداد والأنداد.
فإذا أخذت معنى السلام مطلقا غير نسبي تحصل عندك ما عليه الجنة من الوصف ، وانكشف أن توصيفها بهذه الصفة نظير توصيفها في قوله:"لهم ما يشاءون فيها:"ق - 35 ، فإن سلامة الإنسان من كل ما يكرهه ولا يحبه تلازم سلطانه على كل ما يشاؤه ويحبه.
وفي تقييد دار السلام بكونها عند ربهم دلالة على قرب الحضور وعدم غفلتهم عنه سبحانه هناك أصلا ، وقد تقدم الكلام في معنى الهداية ومعنى الصراط المستقيم في مواضع من الأبحاث السابقة كتفسير سورة الحمد وغيره.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"قال الذين لا يرجون لقاءنا - ائت بقرآن غير هذا الآية ، قال فإن قريشا قالت: يا رسول الله ائتنا بقرآن غير هذا فإن هذا شيء تعلمته من اليهود والنصارى ، قال الله: قل لهم: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم أربعين سنة قبل أن يوحى إلي ، ولم أتكلم بشيء منه حتى أوحي إلي."
أقول: وفي انطباق مضمونه على الآية خفاء ، على ما فيه من مخاطبتهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة.
وفي تفسير العياشي ، عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد إلى ذلك الكلام.
أقول: والرواية لا تخلو عن شيء.