بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يس (1) وَالْقُرْءَانِ الحَْكِيمِ (2) إِنّك لَمِنَ الْمُرْسلِينَ (3) عَلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ (4) تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرّحِيمِ (5) لِتُنذِرَ قَوْمًا مّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ (6) لَقَدْ حَقّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنّا جَعَلْنَا في أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلى الأَذْقَانِ فَهُم مّقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيهِمْ سدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سدّا فَأَغْشيْنَهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسوَاءٌ عَلَيهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنّمَا تُنذِرُ مَنِ اتّبَعَ الذِّكرَ وَخَشىَ الرّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كرِيمٍ (11) إِنّا نحْنُ نُحْىِ الْمَوْتى وَنَكتُب مَا قَدّمُوا وَءَاثَرَهُمْ وَكلّ شىْءٍ أَحْصيْنَهُ في إِمَامٍ مّبِينٍ (12)
غرض السورة بيان الأصول الثلاثة للدين فهي تبتدىء بالنبوة وتصف حال الناس في قبول الدعوة وردها وأن غاية الدعوة الحقة إحياء قوم بركوبهم صراط السعادة وتحقيق القول على آخرين وبعبارة أخرى تكميل الناس في طريقي السعادة والشقاء.
ثم تنتقل السورة إلى التوحيد فتعد جملة من آيات الوحدانية ثم تنتقل إلى ذكر المعاد فتذكر بعث الناس للجزاء وامتياز المجرمين يومئذ من المتقين وتصف ما تئول إليه حال كل من الفريقين.
ثم ترجع إلى ما بدأت فتلخص القول في الأصول الثلاثة وتستدل عليها وعند ذلك تختتم السورة.
ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون"فالسورة عظيمة الشأن تجمع أصول الحقائق وأعراقها وقد ورد من طرق العامة والخاصة: أن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس 1.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.
قوله تعالى:"يس والقرآن الحكيم - إلى قوله - فهم غافلون"إقسام منه تعالى بالقرآن الحكيم على كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المرسلين ، وقد وصف القرآن بالحكيم لكونه مستقرا فيه الحكمة وهي حقائق المعارف وما يتفرع عليها من الشرائع والعبر والمواعظ.
وقوله:"إنك لمن المرسلين"مقسم عليه كما تقدم.
وقوله:"على صراط مستقيم"خبر بعد خبر لقوله:"إنك"، وتنكير الصراط - كما قيل - للدلالة على التفخيم وتوصيفه بالمستقيم للتوضيح فإن الصراط هو الطريق الواضح المستقيم ، والمراد به الطريق الذي يوصل عابريه إلى الله تعالى أي إلى السعادة الإنسانية التي فيها كمال العبودية لله والقرب ، وقد تقدم في تفسير الفاتحة بعض ما ينفع في هذا المقام من الكلام.
وقوله:"تنزيل العزيز الرحيم"وصف للقرآن مقطوع عن الوصفية منصوب على المدح ، والمصدر بمعنى المفعول ومحصل المعنى أعني بالقرآن ذاك المنزل الذي أنزله الله العزيز الرحيم الذي استقر فيه العزة والرحمة.
والتذييل بالوصفين للإشارة إلى أنه قاهر غير مقهور وغالب غير مغلوب فلا يعجزه إعراض المعرضين عن عبوديته ولا يستذله جحود الجاحدين وتكذيب المكذبين ، وأنه ذو رحمة واسعة لمن يتبع الذكر ويخشاه بالغيب لا لينتفع بإيمانهم بل ليهديهم إلى ما فيه سعادتهم وكمالهم فهو بعزته ورحمته أرسل الرسول وأنزل عليه القرآن الحكيم لينذر الناس فيحق كلمة العذاب على بعضهم ويشمل الرحمة منهم آخرين.
وقوله:"لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون"تعليل للإرسال والتنزيل و"ما"نافية والجملة صفة لقوله:"قوما"والمعنى إنما أرسلك وأنزل عليك القرآن لتنذر وتخوف قوما لم ينذر آباؤهم فهم غافلون.
والمراد بالقوم إن كان هو قريش ومن يلحق بهم فالمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون فإن الأبعدين من آبائهم كان فيهم النبي إسماعيل ذبيح الله ، وقد أرسل إلى العرب رسل آخرون كهود وصالح وشعيب (عليهما السلام) ، وإن كان المراد جميع الناس المعاصرين نظرا إلى عموم الرسالة فكذلك أيضا فآخر رسول معروف بالرسالة قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو عيسى (عليه السلام) وبينهما زمان الفترة.