فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 4314

و فيه: أن الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مر.

على أن التكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب.

على أنه تعالى يخبر بقوله:"و ما جعل عليكم في الدين من حرج:"الحج - 78 ، بعدم تشريعه في الدين ما لا يطاق.

ومنهم من قال: إن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة ومرتبطة بما تقدمتها من آية الدين المذكورة فيها وهو مدفوع بإطلاق الآية كقول من قال: إنها مخصوصة بالكفار.

ومنهم من قال: إن المعنى أن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السوء بأن تتجاهروا وتعلنوا بالعمل أو تخفوه بأن تأتوا الفعل خفية يحاسبكم به الله.

ومنهم من قال: إن المراد بالآية مطلق الخواطر إلا أن المراد بالمحاسبة الأخبار أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها فإن الله يخبركم به يوم القيامة فهو في مساق قوله تعالى:"فينبؤكم بما كنتم تعملون:"المائدة - 105 ، ويدفع هذا وما قبله؟ بمخالفة ظاهر الآية كما تقدم.

قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ، الترديد في التفريع بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الإشعار بأن المراد بما في النفوس هي الصفات والأحوال النفسانية السيئة ، وإن كانت المغفرة ربما استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج إلى مئونة القرائن الخاصة.

وقوله: والله تعليل راجع إلى مضمون الجملة الأخيرة ، أو إلى مدلول الآية بتمامها.

في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لله ما في السموات وما في الأرض - وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم جثوا على الركب فقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أ تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون الآية ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلى آخرها: أقول: ورواه في الدر المنثور ، عن أحمد ومسلم وأبي داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، وروي قريبا منه بعدة من الطرق عن ابن عباس.

وروى النسخ أيضا بعدة طرق عن غيرهما كابن مسعود وعائشة.

وروي عن الربيع بن أنس: أن الآية محكمة غير منسوخة وإنما المراد بالمحاسبة ما يخبر الله العبد به يوم القيامة بأعماله التي عملها في الدنيا.

وروي عن ابن عباس بطرق: أن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة وأدائها. فهي محكمة غير منسوخة.

وروي عن عائشة أيضا: أن المراد بالمحاسبة ما يصيب الرجل من الغم والحزن إذا هم بالمعصية ولم يفعلها ، فالآية أيضا محكمة غير منسوخة.

وروي من طريق علي عن ابن عباس: في قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه: فذلك سرائرك وعلانيتك يحاسبكم به الله فإنها لم تنسخ ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: يحاسبكم به الله يقول يخبركم. وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب ، وهو قوله: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم.

أقول: والروايات على اختلافها في مضامينها مشتركة في أنها مخالفة لظاهر القرآن على ما تقدم أن ظاهر الآية هو: أن المحاسبة إنما تقع على ما كسبته القلوب إما في نفسها وإما من طريق الجوارح ، وليس في الخطور النفساني كسب ، ولا يتفاوت في ذلك الشهادة وغيرها ولا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر ، وظاهر المحاسبة هو المحاسبة بالجزاء دون الإخبار بالخطورات والهمم النفسانية ، فهذا ما تدل عليه الآية وتؤيده سائر الآيات على ما تقدم.

وأما حديث النسخ خاصة ففيه وجوه من الخلل يوجب سقوطه عن الحجية: أولها: مخالفته لظاهر الكتاب على ما تقدم بيانه.

ثانيها: اشتماله على جواز تكليف ما لا يطاق وهو مما لا يرتاب العقل في بطلانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت