فهرس الكتاب

الصفحة 4099 من 4314

و في قوله:"إنا لقادرون"التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ، والوجه فيه الإشارة إلى العظمة المناسبة لذكر القدرة ، وفي ذكر ربوبيته للمشارق والمغارب إشارة إلى تعليل القدرة فإن الذي ينتهي إليه تدبير الحوادث في تكونها لا يعجزه شيء من الحوادث التي هي أفعاله عن شيء منها ولا يمنعه شيء من خلقه من أن يبدله خيرا منه وإلا شاركه المانع في أمر التدبير والله سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته فافهم ذلك.

وقوله:"إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم""على"متعلق بقوله:"لقادرون"والمفعول الأول لنبدل ضمير محذوف راجع إليهم وإنما حذف للإشارة إلى هوان أمرهم وعدم الاهتمام بهم ، و"خيرا"مفعوله الثاني وهو صفة أقيمت مقام موصوفها ، والتقدير إنا لقادرون على أن نبدلهم قوما خيرا منهم ، وخيريتهم منهم أن يؤمنوا بالله ولا يكفروا به ويتبعوا الحق ولا يردوه.

وقوله:"و ما نحن بمسبوقين"المراد بالسبق الغلبة على سبيل الاستعارة ، وكونه تعالى مسبوقا هو أن يمنعه خلقهم أن يذهب بهم ويأتي بدلهم بقوم خير منهم.

وسياق الآية لا يخلو من تأييد ما لما تقدم من كون المراد بالذين كفروا قوما من المنافقين دون المشركين المعاندين للدين النافين لأصل المعاد فإن ظاهر قوله:"خيرا منهم"لا يخلو من دلالة أو إشعار بأن فيهم شائبة خيرية ولله أن يبدل خيرا منهم ، والمشركون لا خير فيهم لكن هذه الطائفة من المنافقين لا يخلو تحفظهم على ظواهر الدين مما آمنوا به ولم يردوه من خير للإسلام.

فقد بان بما تقدم أن قوله:"إنا خلقناهم مما يعلمون"إلى آخر الآيات الثلاث تعليل للردع بقوله:"كلا"، وأن محصل مضمون الآيات الثلاث أنهم مخلوقون من نطفة - وهم يعلمون ذلك - وهي خلقة جارية والله الذي هو رب الحوادث الجارية التي منها خلق الإنسان جيلا بعد جيل والمدبر لها قادر أن يذهب بهم ويبدلهم خيرا منهم يعتنون بأمر الدين ويستأهلون لدخول الجنة ، ولا يمنعه خلق هؤلاء أن يبدلهم خيرا منهم ويدخلهم الجنة بكمال إيمانهم من غير أن يضطر إلى إدخال هؤلاء الجنة فلا ينتقض تقديره أن الجنة للصالحين من أهل الإيمان.

قوله تعالى:"فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون"أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتركهم وما هم فيه ، ولا يلح عليهم بحجاج ولا يتعب نفسه فيهم بعظة ، وقد سمي ما هم عليه بالخوض واللعب دلالة على أنهم لا ينتفعون به انتفاعا حقيقيا على ما لهم فيه من الإمعان والإصرار كاللعب الذي لا نفع فيه وراء الخيال فليتركوا حتى يلاقوا اليوم الذي يوعدون وهو يوم القيامة.

وفي إضافة اليوم إليهم إشارة إلى نوع اختصاص له بهم وهو الاختصاص بعذابهم.

قوله تعالى:"يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون"بيان ليومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة.

والأجداث جمع جدث وهو القبر ، وسراعا جمع سريع ، والنصب ما ينصب علامة في الطريق يقصده السائرون للاهتداء به ، وقيل: هو الصنم المنصوب للعبادة وهو بعيد من كلامه تعالى ، والإيفاض الإسراع والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون"الخشوع تأثر خاص في القلب عن مشاهدة العظمة والكبرياء ، ويناظره الخضوع في الجوارح ، ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور آثاره فيها ، والرهق غشيان الشيء بقهر.

وقوله:"ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون"الإشارة إلى ما مر من أوصافه من الخروج من الأجداث سراعا وخشوع الأبصار ورهق الذلة.

في الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد عن عبادة بن أنس قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد فقال: ما لي أراكم عزين حلقا حلق الجاهلية قعد رجل خلف أخيه.

أقول: ورواه عن ابن مردويه عن أبي هريرة ولفظه: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه جلوس حلقا حلقا فقال: ما لي أراكم عزين ، وروي هذا المعنى أيضا عن جابر بن سمرة.

وفي تفسير القمي ،: وقوله:"كلا إنا خلقناهم مما يعلمون"قال: من نطفة ثم علقة ، وقوله:"فلا أقسم"أي أقسم"برب المشارق والمغارب"قال: مشارق الشتاء ومشارق الصيف ومغارب الشتاء ومغارب الصيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت