11 سورة هود - 69 - 76
وَلَقَدْ جَاءَت رُسلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشرَى قَالُوا سلَمًا قَالَ سلَمٌ فَمَا لَبِث أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمّا رَءَا أَيْدِيهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكرَهُمْ وَأَوْجَس مِنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تخَف إِنّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائمَةٌ فَضحِكَت فَبَشرْنَهَا بِإِسحَقَ وَمِن وَرَاءِ إِسحَقَ يَعْقُوب (71) قَالَت يَوَيْلَتى ءَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلى شيْخًا إِنّ هَذَا لَشىْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَت اللّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنّهُ حَمِيدٌ مجِيدٌ (73) فَلَمّا ذَهَب عَنْ إِبْرَهِيمَ الرّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشرَى يجَدِلُنَا في قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنّ إِبْرَهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّهٌ مّنِيبٌ (75) يَإِبْرَهِيمُ أَعْرِض عَنْ هَذَا إِنّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّك وَإِنهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ (76)
تتضمن الآيات قصة بشرى إبراهيم (عليه السلام) بالولد ، وأنها كالتوطئة لما سيذكر بعده من قصة ذهاب الملائكة إلى لوط النبي (عليه السلام) لإهلاك قومه فإن تلك القصة ذيل هذه القصة وفي آخر قصة البشرى ما يتبين به وجه قصة الإهلاك وهو قوله:"إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود"الآية.
قوله تعالى:"و لقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى"إلى آخر الآية البشرى هي البشارة ، والعجل ولد البقرة ، والحنيذ فعيل بمعنى المفعول أي المحنوذ وهو اللحم المشوي على حجارة محماة بالنار كما أن القديد هو المشوي على حجارة محماة بالشمس على ما ذكره بعض اللغويين ، وذكر بعضهم أنه المشوي الذي يقطر ماء وسمنا ، وقيل: هو مطلق المشوي ، وقوله تعالى في سورة الذاريات في القصة:"فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين"لا يخلو من تأييد ما للمعنى الثاني.
وقوله:"و لقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى"معطوف على قوله سابقا:"و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه"قال في المجمع ،: وإنما دخلت اللام لتأكيد الخبر ومعنى قد هاهنا أن السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع فجاءت لتؤذن أن السامع في حال توقع.
انتهى.
والرسل هم الملائكة المرسلون إلى إبراهيم للبشارة وإلى لوط لإهلاك قومه وقد اختلفت كلمات المفسرين في عددهم مع القطع بكونهم فوق الاثنين لدلالة لفظ الجمع - الرسل - على ذلك ، وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنهم كانوا أربعة من الملائكة الكرام ، وسيأتي نقلها إن شاء الله في البحث الروائي.
والبشرى التي جاءت بها الرسل إبراهيم (عليه السلام) لم يذكر بلفظها في القصة ، والتي ذكرت فيها منها هي البشارة لامرأته ، وإنما ذكرت بشارة إبراهيم نفسه في غير هذا المورد كسورتي الحجر والذاريات ، ولم يصرح فيهما باسم من بشر به إبراهيم أ هو إسحاق أم إسماعيل (عليهما السلام) أو أنهم بشروه بكليهما؟ وظاهر سياق القصة في هذه السورة أنها البشارة بإسحاق ، وسيأتي البحث المستوفى عن ذلك في آخر القصة.
وقوله:"قالوا سلاما قال سلام"أي تسالموا هم وإبراهيم فقالوا: سلاما أي سلمنا عليك سلاما ، وقال إبراهيم: سلام أي عليكم سلام.
والسلام الواقع في تحية إبراهيم (عليه السلام) نكرة ووقوعه نكرة في مقام التحية دليل على أن المراد به الجنس أو أن له وصفا محذوفا للتفخيم ومزيد التكريم والتقدير: عليكم سلام زاك طيب أو ما في معناه ، ولذا ذكر بعض المفسرين: أن رفع السلام أبلغ من نصبه فقد حياهم بأحسن تحيتهم فبالغ في إكرامهم ظنا منه أنهم ضيف وقوله:"فما لبث أن جاء بعجل حنيذ"أي ما أبطأ في أن قدم إليهم عجلا مشويا يقطر ماء وسمنا وأسرع في ذلك.
قوله تعالى:"فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة"عدم وصول أيديهم إليه كناية عن أنهم ما كانوا يمدون أيديهم إلى الطعام ، وذلك أمارة العداوة وإضمار الشر ، ونكرهم وأنكرهم بمعنى واحد وإنما كان أنكرهم لإنكاره ما شاهد منهم من فعل غير معهود.