فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 4314

قوله تعالى:"و كذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين"تفصيل الآيات بقرينة المقام شرح المعارف الإلهية وتخليصها من الإبهام والاندماج ، وقوله:"و لتستبين سبيل المجرمين"اللام فيه للغاية ، وهو معطوف على مقدر طوي عن ذكره تعظيما وتفخيما لأمره وهو شائع في كلامه تعالى ، كقوله:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا": آل عمران: 140 ، وقوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الآية: 75.

فالمعنى: وكذلك نشرح ونميز المعارف الإلهية بعضها من بعض ونزيل ما يطرأ عليها من الإبهام لأغراض هامة منها أن تستبين سبيل المجرمين فيتجنبها الذين يؤمنون بآياتنا ، وعلى هذا فالمراد بسبيل المجرمين السبيل التي يسلكها المجرمون قبال الآيات الناطقة بتوحيد الله سبحانه والمعارف الحقة التي تتعلق به وهي سبيل الجحود والعناد والإعراض عن الآيات وكفران النعمة.

وربما قيل إن المراد بسبيل المجرمين السبيل التي تسلك في المجرمين ، وهي سنة الله فيهم من لعنهم في الدنيا وإنزال العذاب إليه بالآخرة ، وسوء الحساب وأليم العقاب في الآخرة ، والمعنى الأول أوفق بسياق الآيات المسرودة في السورة.

في الكافي ، بإسناده فيه رفع عن الرضا (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل لم يقبض نبينا حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا ، وقال عز وجل: ما فرطنا في الكتاب من شيء.

وفي تفسير القمي ، حدثني أحمد بن محمد قال حدثني جعفر بن محمد قال حدثنا كثير بن عياش عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله:"و الذين كذبوا بآياتنا صم وبكم"يقول: صم عن الهدى بكم لا يتكلمون بخير"في الظلمات"يعني ظلمات الكفر"من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم"وهو رد على قدرية هذه الأمة يحشرهم الله يوم القيامة من الصابئين والنصارى والمجوس فيقولون"ربنا ما كنا مشركين ، يقول الله:"انظر كيف كذبوا على أنفسهم - وضل عنهم ما كانوا يفترون"قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا إن لكل أمة مجوسا ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة إليهم ولهم."

قال في البرهان ، عند نقل الحديث: وفي نسخة أخرى من تفسير علي بن إبراهيم في الحديث هكذا: قال: فقال: ألا إن لكل أمة مجوسا ، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست لهم ولا عليهم ، وفي نسخة ثالثة ، يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست إليهم ولا لهم ، انتهى.

أقول: مسألة القدر من المسائل التي وقع الكلام فيها في الصدر الأول فأنكر القدر - وهو أن لإرادة الله سبحانه تعلقا ما بأعمال العباد - قوم وأثبتوا المشية والقدرة المستقلتين للإنسان في فعله وأنه هو الخالق له المستقل به ، وسموا بالقدرية أي المتكلمين في القدر ، وقد روى الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:"القدرية مجوس هذه الأمة ، وانطباقه عليهم واضح فإنهم يثبتون للأعمال خالقا هو الإنسان ولغيرها خالقا هو الله سبحانه وهو قول الثنوية وهم المجوس بإلهين اثنين: خالق للخير ، وخالق للشر."

وهناك روايات أخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أئمة أهل بيته (عليهم السلام) تفسر الرواية بالمعنى الذي تقدم ، وتثبت أن هناك قدرا وأن لله مشية في أفعال عباده كما يثبته القرآن.

وقد أول المعتزلة وهم النافون للقدر الرواية بأن المراد بالقدرية المثبتون للقدر ، وهم كالمجوس في إسنادهم الخير والشر كله إلى خالق غير الإنسان ، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك ، وسيجيء استيفاؤه إن شاء الله تعالى.

ومما ذكرنا يظهر أن الجمع بين القول بأنه لا قدر ، والقول بأنه ليست المشية والقدرة للإنسان ولا إليه جمع بين المتنافيين فإن القول بنفي القدر يلازم القول باستقلال الإنسان بالمشية والاستطاعة ، والقول بالقدر يلازم القول بنفي استقلاله بالمشية والقدرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت