فهرس الكتاب

الصفحة 2505 من 4314

قوله تعالى:"فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"وصاه سبحانه بالتسبيح والتحميد والسجدة والعبادة أو إدامة العبودية مفرعا ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغم والمصيبة ، وقد أمره في الآيات السابقة بالصفح والصبر ، ويستفاد الأمر بالصبر أيضا من قوله:"و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين"فإن ظاهره الأمر بالصبر على العبودية حتى حين ، وبذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد والمقاومة على مر الحوادث:"استعينوا بالصبر والصلاة": البقرة: 153.

وبذلك يتأيد أن المراد بالساجدين المصلون وأنه أمر بالصلاة وقد سميت سجودا تسمية لها باسم أفضل أجزائها ويكون المراد بالتسبيح والتحميد اللفظي منهما كقول سبحان الله والحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد بالصلاة في آية البقرة التوجه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون المراد بالتسبيح والتحميد - أو بهما وبالسجود - المعنى اللغوي وهو تنزيهه تعالى عما يقولون والثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم والتذلل له تذلل العبودية.

وأما قوله:"و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين"فإن كان المراد به الأمر بالعبادة كان كالمفسر للآية السابقة وإن كان المراد الأخذ بالعبودية - كما هو ظاهر السياق ، وخاصة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح والإعراض ولازمهما الصبر كان بقرينة تقييده بقوله:"حتى يأتيك اليقين"أمرا بانتهاج منهج التسليم والطاعة والقيام بلوازم العبودية.

وعلى هذا فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل ونزول الموت الذي يتبدل به الغيب من الشهادة ويعود به الخبر عيانا ، ويؤيد ذلك تفريع ما تقدم من قوله:"فاصفح الصفح الجميل"على قوله:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية"فإنه بالحقيقة أمر بالعفو والصبر على ما يقولون لأن لهم يوما ينتقم الله منهم ويجازيهم بأعمالهم فيكون معنى الآية دم على العبودية واصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى مر ما يقولون حتى يدركك الموت وينزل عليك عالم اليقين فتشاهد ما يفعل الله بهم ربك.

وفي التعبير بمثل قوله:"حتى يأتيك اليقين"إشعار أيضا بذلك فإن العناية فيه بأن اليقين طالب له وسيدركه فليعبد ربه حتى يدركه ويصل إليه وهذا هو عالم الآخرة الذي هو عالم اليقين العام بما وراء الحجاب دون الاعتقاد اليقيني الذي ربما يحصل بالنظر أو بالعبادة.

وبذلك يظهر فساد ما ربما قيل: إن الآية تدل على ارتفاع التكليف بحصول اليقين ، وذلك لأن المخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد دلت آيات كثيرة من كتاب الله أنه من الموقنين وأنه على بصيرة وأنه على بينة من ربه وأنه معصوم وأنه مهدي بهداية الله سبحانه إلى غير ذلك.

مضافا إلى ما قدمناه من دلالة الآية على كون المراد باليقين هو الموت.

وسنفرد لدوام التكليف بحثا عقليا بعد الفراغ عن البحث الروائي إن شاء الله تعالى.

في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه وابن النجار عن علي بن أبي طالب: في قوله."فاصفح الصفح الجميل"قال: الرضا بغير عتاب.

وفي المجمع ، حكي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) : أن الصفح الجميل هو العفو من غير عتاب.

وفي العيون ، بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) : في الآية قال: العفو من غير عتاب.

وفي التهذيب ، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم هي أفضلهن.

أقول: وهو مروي من طرق الشيعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وغير واحد من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن طرق أهل السنة عن علي وعدة من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وأبي هريرة وغيرهم.

وفي الدر المنثور ، أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: أ رأيت قول الله:"كما أنزلنا على المقتسمين"؟ قال: اليهود والنصارى. قال:"الذين جعلوا القرآن عضين"قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض.

أقول: وقد عرفت فيما مر أن مضمون الرواية لا يلائم كون السورة مكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت