فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 4314

2 سورة البقرة - 243

أَ لَمْ تَرَ إِلى الّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمّ أَحْيَهُمْ إِنّ اللّهَ لَذُو فَضلٍ عَلى النّاسِ وَلَكِنّ أَكثرَ النّاسِ لا يَشكرُونَ (243)

قوله تعالى: أ لم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، الرؤية هاهنا بمعنى العلم ، عبر بذلك لدعوى ظهوره بحيث يعد فيه العلم رؤية فهو كقوله تعالى:"أ لم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق": إبراهيم - 19 ، وقوله تعالى:"أ لم تر كيف خلق الله سبع سموات طباقا:"نوح - 15.

وقد ذكر الزمخشري أن لفظ أ لم تر جرى مجرى المثل ، يؤتى به في مقام التعجيب فقولنا: أ لم تر كذا وكذا معناه أ لا تعجب لكذا وكذا ، وحذر الموت مفعول له ، ويمكن أن يكون مفعولا مطلقا والتقدير يحذرون الموت حذرا.

قوله تعالى: فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ، الأمر تكويني ولا ينافي كون موتهم واقعا عن مجرى طبيعي كما ورد في الروايات: أن ذلك كان بالطاعون ، وإنما عبر بالأمر ، دون أن يقال: فأماتهم الله ثم أحياهم ليكون أدل على نفوذ القدرة وغلبة الأمر ، فإن التعبير بالإنشاء في التكوينيات أقوى وآكد من التعبير بالإخبار كما أن التعبير بصورة الإخبار الدال على الوقوع في التشريعيات أقوى وآكد من الإنشاء ، ولا يخلو قوله تعالى: ثم أحياهم عن الدلالة على أن الله أحياهم ليعيشوا فعاشوا بعد حياتهم ، إذ لو كان إحياؤهم لعبرة يعتبر بها غيرهم أو لإتمام حجة أو لبيان حقيقة لذكر ذلك على ما هو دأب القرآن في بلاغته كما في قصة أصحاب الكهف ، على أن قوله تعالى بعد: إن الله لذو فضل على الناس ، يشعر بذلك أيضا.

قوله تعالى: ولكن أكثر الناس لا يشكرون ، الإظهار في موضع الإضمار أعني تكرار لفظ الناس ثانيا لما فيه من الدلالة على انخفاض سطح أفكارهم ، على أن هؤلاء الذين تفضل الله عليهم بالإحياء طائفة خاصة ، وليس المراد كون الأكثر منهم بعينهم غير شاكرين بل الأكثر من جميع الناس ، وهذه الآية لا تخلو عن مناسبة ما مع ما بعدها من الآيات المتعرضة لفرض القتال ، لما في الجهاد من إحياء الملة بعد موتها.

وقد ذكر بعض المفسرين أن الآية مثل ضربه الله لحال الأمة في تأخرها وموتها باستخزاء الأجانب إياها ببسط السلطة والسيطرة عليها ، ثم حياتها بنهضتها ودفاعها عن حقوقها الحيوية واستقلالها في حكومتها على نفسها.

قال ما حاصله: إن الآية لو كانت مسوقة لبيان قصة من قصص بني إسرائيل كما يدل عليه أكثر الروايات أو غيرهم كما في بعضها لكان من الواجب الإشارة إلى كونهم من بني إسرائيل ، وإلى النبي الذي أحياهم كما هو دأب القرآن في سائر قصصه مع أن الآية خالية عن ذلك على أن التوراة أيضا لم تتعرض لذلك في قصص حزقيل النبي على نبينا وآله وعليه السلام فليست الروايات إلا من الإسرائيليات التي دستها اليهود ، مع أن الموت والحياة الدنيويتين ليستا إلا موتا واحدا أو حياة واحدة كما يدل عليه قوله تعالى:"لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى:"الدخان - 56 ، وقوله تعالى:"و أحييتنا اثنتين": المؤمن - 11 ، فلا معنى لحياتين في الدنيا هذا ، فالآية مسوقة سوق المثل ، والمراد بها قوم هجم عليهم أولوا القدرة والقوة من أعدائهم باستذلالهم واستخزائهم وبسط السلطة فيهم والتحكم عليهم فلم يدافعوا عن استقلالهم ، وخرجوا من ديارهم وهم ألوف لهم كثرة وعزيمة حذر الموت ، فقال لهم الله موتوا موت الخزي والجهل ، فإن الجهل والخمود موت كما أن العلم وإباء الضيم حياة ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:"الأنفال - 24 ، وقال تعالى: أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:"الأنعام - 122."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت