و قوله:"يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة"ضمير الجمع للذين كفروا المذكورين في الآية السابقة ، والمراد باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة سؤالهم نزول العذاب إليهم استهزاء بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل سؤال الرحمة والعافية ، والدليل عليه قوله:"و قد خلت من قبلهم المثلات"- والجملة في موضع الحال - فإن المراد به العقوبات النازلة على الأمم الماضين القاطعة لدابرهم.
والمعنى: يسألك الذين كفروا أن تنزل عليهم العقوبة الإلهية قبل الرحمة والعافية بعد ما سمعوك تنذرهم بعذاب الله استهزاء وهم على علم بالعقوبات النازلة قبلهم على الأمم الماضين الذين كفروا برسلهم والآية في مقام التعجيب.
وقوله:"و إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب"استئناف أو في موضع الحال ، ويفيد بيان السبب في كون استعجالهم أمرا عجيبا أي إن ربك ذو رحمة واسعة تسع الناس في جميع أحوالهم حتى حال ظلمهم وذو غضب شديد وقد سبقت رحمته غضبه فما بالهم يعرضون عن وسيع رحمته ومغفرته ويسألون شديد عقابه وهم مستعجلون؟ إن ذلك لعجيب.
ويظهر من هذا المعنى الذي يعطيه السياق: أولا: أن التعبير عنه تعالى بقوله:"ربك"إنما هو للدلالة على كونهم مشركين وثنيين لا يأخذونه تعالى ربا بل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يأخذه ربا من بين قومه.
وثانيا: أن المراد بالمغفرة والعقاب هو الأعم من المغفرة والعقوبة الدنيويتين فإن المشركين إنما كانوا يستعجلون بالسيئة والعقوبة الدنيويتين ، والمثلات التي يذكر الله تعالى أنها خلت من قبلهم إنما هي العقوبات الدنيوية النازلة عليهم.
على أن العفو والمغفرة لا يختصان بما بعد الموت أو بيوم القيامة ولا أن آثارهما تختص بذلك ، وقد تقدم ذلك مرارا فله تعالى أن يبسط مغفرته على كل من شاء حتى على الظالم حين هو ظالم فيغفر له مظلمته إن اقتضته الحكمة ، وله أن يعاقب قال تعالى:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم": المائدة: 118.
ولهذه النكتة عبر تعالى عن مورد المغفرة بقوله:"للناس"ولم يقل للمؤمنين أو للتائبين ونحو ذلك فلو التجأ أي واحد من الناس إلى رحمته وسأله المغفرة كان له أن يغفر له سواء في ذلك الكافر والمؤمن والمعاصي الكبيرة والصغيرة غير أن المشرك لو سأله أن يغفر له شركه انقلب بذلك مؤمنا غير مشرك ، والله سبحانه لا يغفر المشرك ما لم يعد إلى التوحيد قال تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء: 48.
فكان على هؤلاء الذين كفروا أن يسألوه تعالى - ويستعجلوا به - أن يغفر لهم شركهم أو ما يتفرع على شركهم من المعاصي بتقديم الإيمان به وبرسوله أو أن يسألوه العافية والبركة وخير المال والولد على كونهم ظالمين فإنه برحمته الواسعة يفعل ذلك حتى بمن لا يؤمن به ولا ينقاد له ، وأما الظلم حال ما يتلبس به الظالم فإن المغفرة لا تجامعه وقد قال تعالى:"و الله لا يهدي القوم الظالمين": الجمعة: 5.
وثالثا: أن قوله:"لذو مغفرة"ولم يقل: لغفور أو غافرة كأنه للتحرز من أن يدل على فعلية المغفرة لجميع الظالمين على ظلمهم كأنه قيل: عنده مغفرة للناس على ظلمهم لا يمنعه من إعمال هذه المغفرة عند المصلحة شيء.
ويمكن أن يستفاد من الجملة معنى آخر وهو أنه تعالى عنده مغفرة الناس له أن يغفر بها لمن شاء منهم ، ولا يستوجب ظلم الناس أن يغضب تعالى فيترك الاتصاف بالمغفرة من أصلها فلا يغفر لأحد ، وهذا يوجب تغيرا في بعض ما تقدم من نكت الآية غير أنه غير ظاهر من السياق.
وفي الآية مشاجرات بين المعتزلة وغيرهم من أهل السنة وهي مطلقة لا دليل على تقييدها بشيء إلا بما في قوله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به"الآية: النساء: 48.
في الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن ابن عباس:"و إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم - وإن ربك لشديد العقاب"قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش ، ولو لا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد.