و آخرون أن يوفقوا بين الجميع كابن سينا في تفاسيره وكتبه وصدر المتألهين الشيرازي في كتبه ورسائله وعدة ممن تأخر عنه.
ومع ذلك كله فالاختلاف العريق على حاله لا تزيد كثرة المساعي في قطع أصله إلا شدة في التعرق ، ولا في إخماد ناره إلا اشتعالا: ألفيت كل تميمة لا تنفع وأنت لا ترى أهل كل فن من هذه الفنون إلا ترمي غيره بجهالة أو زندقة أو سفاهة رأي ، والعامة تتبرأ منهم جميعا.
كل ذلك لما تخلفت الأمة في أول يوم عن دعوة الكتاب إلى التفكر الاجتماعي واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تتفرقوا والكلام ذو شجون.
اللهم اهدنا إلى ما يرضيك عنا واجمع كلمتنا على الحق ، وهب لنا من لدنك وليا ، وهب لنا من لدنك نصيرا.
في الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين لكم كثيرا"الآية: أخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، قال تعالى:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب"قال: فكان الرجم مما أخفوا.
أقول: إشارة إلى ما سيجيء في تفسير قوله تعالى:"يا أيها الرسول لا يحزنك"إلى آخر الآيات: المائدة: 41 من حديث كتمان اليهود حكم الرجم في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكشفه عن ذلك.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"يبين لكم على فترة من الرسل"الآية قال: قال: على انقطاع من الرسل. وفي الكافي ، بإسناده عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي وأبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك ، وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب فنظر إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي تداك عليه الناس؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي ، فقال: اشهد لآتينه ولأسالنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي قال: فاذهب فاسأله لعلك تخجله. فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي قال فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقال: سل عما بدا لك فقال: أخبرني كم بين عيسى ومحمد من سنة؟ فقال: أخبرك بقولي أو بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا قال: أما في قولي فخمسمائة سنة ، وأما في قولك فستمائة سنة.
أقول: وقد روي في أسباب نزول الآيات ، أخبار مختلفة كما رواه الطبري عن عكرمة: أن اليهود سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم الرجم فسأل عن أعلمهم فأشاروا إلى ابن صوريا فناشده بالله هل يجدون حكم الرجم في كتابهم؟ فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرءوس ، فحكم عليهم بالرجم فأنزل الله:"يا أهل الكتاب إلى قوله - صراط مستقيم"وما رواه أيضا عن ابن عباس قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن أبي ، وبحري بن عمرو ، وشاس بن عدي فكلمهم وكلموه ، ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى فأنزل الله فيهم:"و قالت اليهود والنصارى"إلى آخر الآية.
وما رواه أيضا عن ابن عباس قال: دعا رسول الله اليهود إلى الإسلام فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه؟ فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهودا: ما قلنا لكم هذا ، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده فأنزل الله:"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا - يبين لكم على فترة"الآية: وقد رواها في الدر المنثور ، عنه وعن غيره وروي غير ذلك.
ومضامين الروايات كغالب ما ورد في أسباب نظرية إنما هي تطبيقات للقضايا على مضامين الآيات ثم قضاء بكونها أسبابا للنزول فهي أسباب نظرية والآيات كأنها مطلقة نزولا.