فهرس الكتاب

الصفحة 2372 من 4314

ثم العود في جواب هذا الاحتمال الذي يتضمنه قوله:"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم"إلى الأمر بإلقائه إليهم بقوله:"قل الله خلق كل شيء وهو الواحد القهار"دليل على أن السؤال إنما هو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمطلوب من إلقاء توحيد الخالق إليهم هو الإلقاء الابتدائي لا الإلقاء بنحو الجواب ، وليس إلا لأنهم لا يقولون بخالق غير الله سبحانه كما قال تعالى:"و لئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله": لقمان: 25 ، الزمر: 38 وقد كرر تعالى نقل ذلك عنهم.

فهؤلاء الوثنيون ما كانوا يرون لله سبحانه شريكا في الخلق والإيجاد وإنما كانوا ينازعون الإسلام في توحيد الربوبية لا في توحيد الألوهية بمعنى الخلق والإيجاد ، وتسليمهم توحيد الخالق المبدع وقصر ذلك على الله يبطل قولهم بالشركاء في الربوبية وتتم الحجة عليهم لأن اختصاص الخلق والإيجاد بالله سبحانه ينفي استقلال الوجود والعلم والقدرة عن غيره تعالى ولا ربوبية مع انتفاء هذه النعوت الكمالية.

ولذلك لم يبق لهم في القول بربوبية شركائهم مع الله سبحانه إلا أن ينكروا توحده تعالى في الخلق والإيجاد ويثبتوا بعد الخلق والإيجاد لآلهتهم وهم لا يفعلونه وهذا هو الموجب لذكره تعالى هذا الاحتمال لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون أن يخاطبهم به أو يأمره أن يخاطبهم.

فكأنه تعالى إذ يقول:"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم"يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : هؤلاء تمت عليهم الحجة في توحيد الربوبية من جهة اختصاصه تعالى بالخلق والإيجاد فلم يبق لهم إلا أن يقولوا بشركة شركائهم في الخلق والإيجاد فهل هم قائلون بأن شركائهم خلقوا خلقا كخلقه ثم تشابه الخلق عليهم فقالوا بربوبيتهم إجمالا مع الله.

ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلقي إليهم ما يقطع دابر هذا الاحتمال فقال:"قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار"والجملة صدرها دعوى دليلها ذيلها أي أنه تعالى واحد في خالقيته لا شريك له فيها ، وكيف يكون له فيها شريك وله وحدة يقهر كل عدد وكثرة وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"ء أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار:"يوسف: 39 بعض الكلام في معنى كونه تعالى هو الواحد القهار ، وتبين هناك أن مجموع هاتين الصفتين ينتج صفة الأحدية.

وقد بان مما ذكرناه وجه تغيير السياق في قوله:"أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم"والإعراض عن سياق الخطاب السابق فتأمل في ذلك واعلم أن أكثر المفسرين اشتبه عليهم الحال في الحجج التي تقيمها الآيات القرآنية لإثبات ربوبيته تعالى وتوحيده فيها ونفي الشريك عنه فخلطوا بينها وبين ما أقيمت لإثبات الصانع فتنبه لذلك.

في الكافي ، بإسناده عن عبد الرحيم القصير عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله تبارك وتعالى"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا المنذر وعلي الهادي الحديث.

أقول: وروى هذا المعنى الكليني في الكافي ، والصدوق في المعاني ، والصفار في البصائر ، والعياشي والقمي في تفسيريهما وغيرهم بأسانيد كثيرة مختلفة.

ومعنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"أنا المنذر وعلي الهادي"أني مصداق المنذر والإنذار هداية مع دعوة وعلى مصداق للهادي من غير دعوة وهو الإمام لا أن المراد بالمنذر هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد بالهادي هو علي (عليه السلام) فإن ذلك مناف لظاهر الآية البتة.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال: لما نزلت:"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد"وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي فقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي: . أقول: ورواه الثعلبي في الكشف ، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت