و إنما قال تعالى:"فقل حسبي الله"الآية ولم يقل: فتوكل على الله لإرشاده إلى أن يتوكل على ربه وهو ذاكر هذه الحقائق التي تنور حقيقة معنى التوكل ، وأن النظر المصيب هو أن لا يثق الإنسان بما يدركه من الأسباب الظاهرة التي هي لا محالة بعض الأسباب بل يأخذ بما يعلمه منها على ما طبعه الله عليه ويثق بربه ويتوكل عليه في حصول بغيته وغرضه.
وفي الآية من الدلالة على عجيب اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) باهتداء الناس ما ليس يخفى فإنه تعالى يأمره بالتوكل على ربه فيما يهتم به من الأمر وهو ما تبينه الآية السابقة من شدة رغبته وحرصه في اهتداء الناس وفوزهم بالسعادة فافهم ذلك.
في الكافي ، بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في حديث طويل يذكر فيه تمام الإيمان ونقصه ، قال: قلت: قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته؟ فقال: قول الله عز وجل:"و إذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا - فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون - وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم"وقال:"نحن نقص عليك نبأهم بالحق - إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى". ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ، ولاستوت النعم فيه ، ولاستوى الناس وبطل التفضيل ، ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله ، وبالنقصان دخل المفرطون النار. وفي تفسير العياشي ، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) :"و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم"يقول شكا إلى شكهم. وفي الدر المنثور ،: في قوله:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم": أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لم يلتق أبواي قط على سفاح. لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما.
أقول: وقد أورد فيه روايات كثيرة في هذا المعنى عن رجال من الصحابة وغيرهم كالعباس وأنس وأبي هريرة وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمر وابن عباس وعلي ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وغيرهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وفيه ، أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول: إن أحدث القرآن عهدا بالله وفي لفظ بالسماء هاتان الآيتان:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم"إلى آخر الآية: أقول: والرواية مروية من طريق آخر عن أبي بن كعب وهي لا تخلو عن تعارض مع ما سيأتي من الرواية وكذا مع ما تقدم من الروايات في قوله تعالى:"و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله"الآية: البقرة: - 281 أنها آخر آية نزلت من القرآن.
على أن لفظ الآيتين لا يلائم كونهما آخر ما نزلت من القرآن إلا أن يكون إشارة إلى بعض الحوادث الواقعة في مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كحديث الدواة والقرطاس.
وفيه ، أخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة:"لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى قوله"و هو رب العرش العظيم"إلى عمر فقال: من معك على هذا؟ فقال: لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فألحقوها فألحقت في آخر براءة. أقول: وفي رواية أخرى: أن عمر قال للحارث: لا أسألك عليها بينة أبدا كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي هذا المعنى أحاديث أخرى ، وسنستوفي الكلام في تأليف القرآن وما يتعلق به من الأبحاث في تفسير سورة الحجر إن شاء الله تعالى."