17 سورة الإسراء - 73 - 81
وَإِن كادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنِ الّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْك لِتَفْترِى عَلَيْنَا غَيرَهُ وَإِذًا لاتخَذُوك خَلِيلًا (73) وَلَوْ لا أَن ثَبّتْنَك لَقَدْ كِدت تَرْكنُ إِلَيْهِمْ شيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لأَذَقْنَك ضِعْف الْحَيَوةِ وَضِعْف الْمَمَاتِ ثمّ لا تجِدُ لَك عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِن كادُوا لَيَستَفِزّونَك مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلَفَك إِلا قَلِيلًا (76) سنّةَ مَن قَدْ أَرْسلْنَا قَبْلَك مِن رّسلِنَا وَلا تجِدُ لِسنّتِنَا تحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصلَوةَ لِدُلُوكِ الشمْسِ إِلى غَسقِ الّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كانَ مَشهُودًا (78) وَمِنَ الّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّك عَسى أَن يَبْعَثَك رَبّك مَقَامًا محْمُودًا (79) وَقُل رّب أَدْخِلْنى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنى مخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لى مِن لّدُنك سلْطنًا نّصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنّ الْبَطِلَ كانَ زَهُوقًا (81)
تذكر الآيات بعض مكر المشركين بالقرآن وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - بعد ما ذمتهم على تماديهم في إنكار التوحيد والمعاد واحتجت عليهم في ذلك - حيث أرادوا أن يفتنوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بعض ما أوحي إليه ليداهنهم فيه بعض المداهنة ، وأرادوا أن يخرجوه من مكة.
وقد أوعد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشد الوعيد إن مال إلى الركون إليهم بعض الميل ، وأوعدهم أن أخرجوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهلاك.
وفي الآيات إيصاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلوات والالتجاء بربه في مدخله ومخرجه وإعلام ظهور الحق.
قوله تعالى:"و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا"إن مخففة بدليل اللام في"ليفتنونك"والفتنة الإزلال والصرف ، والخليل من الخلة بمعنى الصداقة وربما قيل: هو من الخلة بمعنى الحاجة وهو بعيد.
وظاهر السياق أن المراد بالذي أوحينا إليك القرآن بما يشتمل عليه من التوحيد ونفي الشريك والسيرة الصالحة وهذا يؤيد ما ورد في بعض أسباب النزول أن المشركين سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكف عن ذكر آلهتهم بسوء ويبعد عن نفسه عبيدهم المؤمنين به والسقاط حتى يجالسوه ويسمعوا منه فنزلت الآيات.
والمعنى: وإن المشركين اقتربوا أن يزلوك ويصرفوك عما أوحينا إليك لتتخذ من السيرة والعمل ما يخالفه فيكون في ذلك افتراء علينا لانتسابه بعملك إلينا وإذا لاتخذوك صديقا.
قوله تعالى:"و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا"التثبيت - كما يفيده السياق - هو العصمة الإلهية وجعل جواب لو لا قوله:"لقد كدت تركن"دون نفس الركون والركون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل دليل على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يركن ولم يكد ، ويؤكده إضافة الركون إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه.
والمعنى: ولو لا أن ثبتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلا لكنا ثبتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم فضلا من أن تجيبهم إلى ما سألوا فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجبهم إلى ما سألوا ولا مال إليهم شيئا قليلا ولا كاد أن يميل.
قوله تعالى:"إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا"سياق الآية سياق توعد فالمراد بضعف الحياة والممات المضاعف من عذاب الحياة والممات ، والمعنى لو قارنت أن تميل إليهم بعض الميل لأذقناك الضعف من العذاب الذي نعذب به المجرمين في حياتهم والضعف مما نعذبهم به في مماتهم أي ضعف عذاب الدنيا والآخرة.
ونقل في المجمع ، عن أبان بن تغلب أن المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه والمعنى لأذقناك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وأنشد قول الشاعر: لمقتل مالك إذ بان.
مني.
أبيت الليل في ضعف أليم.
أي في عذاب أليم.
وما في ذيل الآية من قوله:"ثم لا تجد لك علينا نصيرا"تشديد في الإيعاد أي إن العذاب واقع حينئذ لا مخلص منه.