فهرس الكتاب

الصفحة 4286 من 4314

قوله تعالى:"ثم لتسألن يومئذ عن النعيم"ظاهر السياق أن هذا الخطاب وكذلك الخطابات المتقدمة في السورة للناس بما أن فيهم من اشتغل بنعمة ربه عن ربه فأنساه التكاثر فيها عن ذكر الله ، وما في السورة من التوبيخ والتهديد متوجه إلى عامة الناس ظاهرا واقع على طائفة خاصة منهم حقيقة وهم الذين ألهاهم التكاثر.

وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقة وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة فالإنسان مسئول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه.

وذلك أن النعمة - وهي الأمر الذي يلائم المنعم عليه ويتضمن له نوعا من الخير والنفع - إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث يسعد بها فينتفع وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن كانت نعمة بالنظر إلى نفسها.

وقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل غاية خلقته التي هي سعادته ومنتهى كماله التقرب العبودي إليه كما قال:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات 56 وهي الولاية الإلهية لعبده ، وقد هيأ الله سبحانه له كل ما يسعد وينتفع به في سلوكه نحو الغاية التي خلق لها وهي النعم فأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

فاستعمال هذه النعم على نحو يرتضيه الله وينتهي بالإنسان إلى غايته المطلوبة هو الطريق إلى بلوغ الغاية وهو الطاعة ، واستعمالها بالجمود عليها ونسيان ما وراءها غي وضلال وانقطاع عن الغاية وهو المعصية ، وقد قضى سبحانه قضاء لا يرد ولا يبدل أن يرجع الإنسان إليه فيسأله عن عمله فيحاسبه ويجزيه ، وعمله هو استعماله للنعم الإلهية قال تعالى:"و أن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى": النجم: 42 ، فالسؤال عن عمل العبد سؤال عن النعيم كيف استعمله أ شكر النعمة أم كفر بها.

في المجمع ، قيل: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا: عن قتادة.

وقيل: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا: عن أبي بريدة ، وقيل: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي وبني سهم بن عمر وتكاثروا وعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف. ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية: عن مقاتل والكلبي.

وفي تفسير البرهان ، عن البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى:"لو تعلمون علم اليقين"قال: المعاينة.

أقول: الرواية تؤيد ما قدمناه من المعنى.

وفي تفسير القمي ، بإسناده عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له:"لتسألن يومئذ عن النعيم"قال: تسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته.

وفي الكافي ، بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فدعا بالغذاء فأكلت معه طعاما ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا ألطف فلما فرغنا من الطعام قال: يا أبا خالد كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟ قلت: جعلت فداك ما أكلت طعاما أطيب منه قط ولا أنظف ولكن ذكرت الآية التي في كتاب الله عز وجل"ثم لتسألن يومئذ عن النعيم"فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إنما يسألكم عما أنتم عليه من الحق.

وفيه ، بإسناده عن أبي حمزة قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة فدعا بطعام ما لنا عهد بمثله لذاذة وطيبا وأتينا بتمر تنظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الذي تنعمتم به عند ابن رسول الله فقال أبو عبد الله إن الله عز وجل أكرم وأجل أن يطعم طعاما فيسوغكموه ثم نسألكم عنه إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أقول: وهذا المعنى مروي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بطرق أخرى وعبارات مختلفة وفي بعضها أن النعيم ولايتنا أهل البيت ، ويئول المعنى إلى ما قدمناه من عموم النعيم لكل نعمة أنعم الله بها بما أنها نعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت