فهرس الكتاب

الصفحة 3802 من 4314

48 سورة الفتح - 8 - 10

إِنّا أَرْسلْنَك شهِدًا وَمُبَشرًا وَنَذِيرًا (8) لِّتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَرَسولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنّ الّذِينَ يُبَايِعُونَك إِنّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نّكَث فَإِنّمَا يَنكُث عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ فَسيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)

فصل ثان من آيات السورة يعرف سبحانه فيه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) تعريف إكبار وإعظام بأنه أرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا طاعته طاعة الله وبيعته بيعة الله ، وقد كان الفصل الأول امتنانا منه تعالى على نبيه بالفتح والمغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر وعلى المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم وإدخال الجنة ووعيد المشركين والمنافقين بالغضب واللعن والنار.

قوله تعالى:"إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا"المراد بشهادته (صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته على الأعمال من إيمان وكفر وعمل صالح أو طالح ، وقد تكرر في كلامه تعالى ذكر شهادته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتقدم استيفاء الكلام في معنى هذه الشهادة ، وهي شهادة حمل في الدنيا ، وأداء في الآخرة.

وكونه مبشرا تبشيره لمن آمن واتقى بالقرب من الله وجزيل ثوابه ، وكونه نذيرا إنذاره وتخويفه لمن كفر وتولى بأليم عذابه.

قوله تعالى:"لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا"القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الأفعال الأربعة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة في الجميع وقراءتهما أرجح بالنظر إلى السياق.

وكيف كان فاللام في"لتؤمنوا"للتعليل أي أرسلناك كذا وكذا لتؤمنوا بالله ورسوله.

والتعزير - على ما قيل - النصر والتوقير التعظيم كما قال تعالى:"ما لكم لا ترجون لله وقارا": نوح: 13 ، والظاهر أن الضمائر في"تعزروه وتوقروه وتسبحوه"جميعا لله تعالى والمعنى: إنا أرسلناك كذا وكذا ليؤمنوا بالله ورسوله وينصروه تعالى بأيديهم وألسنتهم ويعظموه ويسبحوه - وهو الصلاة - بكرة وأصيلا أي غداة وعشيا.

وقيل: الضميران في"تعزروه وتوقروه"للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير"تسبحوه"لله تعالى ويوهنه لزوم اختلاف الضمائر المتسقة.

قوله تعالى:"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم"إلى آخر الآية.

البيعة نوع من الميثاق ببذل الطاعة قال في المفردات: وبايع السلطان إذا تضمن بذل الطاعة له بما رضخ له انتهى ، والكلمة مأخوذة من البيع بمعناه المعروف فقد كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا إنجاز البيع أعطى البائع يده للمشتري فكأنهم كانوا يمثلون بذلك نقل الملك بنقل التصرفات التي يتحقق معظمها باليد إلى المشتري بالتصفيق ، وبذلك سمي التصفيق عند بذل الطاعة بيعة ومبايعة ، وحقيقة معناه إعطاء المبايع يده للسلطان مثلا ليعمل به ما يشاء.

فقوله:"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله"تنزيل بيعته (صلى الله عليه وآله وسلم) منزلة بيعته تعالى بدعوى أنها هي فما يواجهونه (صلى الله عليه وآله وسلم) به من بذل الطاعة لا يواجهون به إلا الله سبحانه لأن طاعته طاعة الله ثم قرره زيادة تقرير وتأكيد بقوله:"يد الله فوق أيديهم"حيث جعل يده (صلى الله عليه وآله وسلم) يد الله كما جعل رميه (صلى الله عليه وآله وسلم) رمى نفسه في قوله:"و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى": الأنفال: 17.

وفي نسبة ما له (صلى الله عليه وآله وسلم) من الشأن إلى نفسه تعالى آيات كثيرة كقوله تعالى:"من يطع الرسول فقد أطاع الله": النساء: 80 ، وقوله:"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون": الأنعام: 33 ، وقوله:"ليس لك من الأمر شيء": آل عمران: 128.

وقوله:"فمن نكث فإنما ينكث على نفسه"النكث نقض العهد والبيعة ، والجملة تفريع على قوله:"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله"والمعنى: فإذا كان بيعتك بيعة الله فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة الله ولا يتضرر بذلك إلا نفسه كما لا ينتفع بالإيفاء إلا نفسه لأن الله غني عن العالمين.

وقوله:"و من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما"وعد جميل على حفظ العهد والإيفاء به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت