و قوله:"و توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون"التوفية إعطاء الحق تاما من غير تنقيص ، وقد علق التوفية على نفس العمل إذ قيل:"ما عملت"فأفيد أن الذي أعطيته نفس العمل من غير أن يتصرف فيه بتغيير أو تعويض ، وفيه كمال العدل حيث لم يضف إلى ما استحقته شيء ولا نقص منه ولذلك عقبه بقوله:"و هم لا يظلمون". ففي الآية إشارة: أولا: إلى أن نفسا لا تدافع يوم القيامة ولا تجادل عن غيرها بل إنما تشتغل بنفسها لا فراغ لها لغيرها كما قال:"يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا": الدخان: 41 ، وقال:"يوم لا ينفع مال ولا بنون": الشعراء: 88 ، وقال:"يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة": البقرة: 254.
وثانيا: إلى أن الجدال لا ينفعها في صرف ما استحقتها من الجزاء شيئا فإن الذي تجزاه هو عين ما عملت ولا سبيل إلى تغيير هذه النسبة وليس من الظلم في شيء.
في الدر المنثور ، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فالحقوا بي. فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه فإذا ألبسوها إياه قال أحد أحد ، وأما خباب فجعلوا يجرونه في الشوك. وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية ، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبروه بالذي +"كان"+ من أمرهم واشتد على عمار الذي كان تكلم به فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أ كان منشرحا بالذي قلت أم لا؟ قال: لا قال وأنزل الله:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". أقول: والجارية المذكورة في الرواية هي سمية أم عمار ، وكان معهم ياسر أبو عمار ، وقيل: وكان أبو عمار أول شهيدين في الإسلام ، وقد استفاضت الروايات على قتلهما بالفتنة وإظهار عمار الكفر تقية ونزول الآية فيه.
وفيه ، أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه. فلما أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما وراءك شيء؟ قال: شر. ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد ، فنزلت:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". وفي المجمع ، عن ابن عباس وقتادة: أن الآية نزلت في جماعة أكرهوا وهم عمار وياسر أبوه وأمه سمية وصهيب وبلال وخباب عذبوا وقتل أبو عمار وأمه وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا منه ثم أخبر سبحانه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال قوم: كفر عمار فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. وجاء عمار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وهو يبكي فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية. وفي الدر المنثور ، أخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من المسلمين وفيهم نزلت هذه الآية:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا."