فهرس الكتاب

الصفحة 2588 من 4314

فإنهم باختيارهم الحياة الدنيا غاية لأنفسهم وحرمانهم من الاهتداء إلى الأخرى انقطعوا عن الآخرة وتعلقوا بالدنيا وجعلوها غاية لأنفسهم فوقف حسهم وعقلهم فيها دون أن يتعدياها إلى ما وراءها وهو الآخرة فليسوا يبصرون ما يعتبرون به ولا يسمعون عظة يتعظون بها ولا يعقلون حجة يهتدون بها إلى الآخرة.

فهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فلا تنال قلوبهم ولا سمعهم وأبصارهم ما يدلهم على الآخرة ، وهم غافلون عنها لا يتنبهون لشيء من أمرها.

فظهر أن ما في الآية السابقة من الوصف بمنزلة المعرف لما في هذه الآية من الطبع ومن الغفلة فعدم هداية الله إياهم إثر ما تعلقوا بالدنيا هو معنى الطبع والغفلة ، والطبع صنع إلهي منسوب إليه تعالى فعله بهم مجازاة والغفلة صفة منسوبة إليهم أنفسهم.

قوله تعالى:"لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون"لأنهم ضيعوا رأس مالهم في الدنيا فبقوا لا زاد لهم يعيشون به في أخراهم ، وقد وقع في نظير المقام من سورة هود:"لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون": هود: 22 ، ولعل وجه التشديد هناك أنه تعالى أضاف إلى صفاتهم هناك أنهم صدوا عن سبيل الله فراجع.

قوله تعالى:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم"الفتنة في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثم استعمل في مطلق البلاء والتعذيب ، وقد كانت قريش ومشركو مكة يفتنون المؤمنين ليردوهم عن دينهم ويعذبونهم بأنواع العذاب حتى ربما كانوا يموتون تحت العذاب كما فتنوا عمارا وأباه وأمه فقتل أبواه وارتد عمار ظاهرا فتفصى منهم بالتقية وفي ذلك نزلت الآيات السابقة كما سيأتي إن شاء الله في البحث الروائي.

ومن هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها من قوله:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"وهي في معنى قولنا: وبعد ذلك كله إن الله غفور رحيم للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا.

فقوله:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا بالمغفرة والرحمة يوم القيامة قبال ما أوعد غيرهم بالخسران التام يومئذ وقد قيد ذلك بالجهاد والصبر بعد المهاجرة."

وقوله:"إن ربك من بعدها لغفور رحيم"بمنزلة تلخيص صدر الكلام - لطوله - ليلحق به ذيله ، ويفيد فائدة التأكيد كقولنا: زيد في الدار زيد في الدار كذا وكذا ، ويفيد أن لما ذكر من قيود الكلام دخلا في الحكم فالله سبحانه لا يرضى عنهم إلا أن يهاجروا ولا عن هجرتهم إلا أن يجاهدوا بعدها ويصبروا.

قوله تعالى:"يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون"إتيان النفس يوم القيامة كناية عن حضورها عند الملك الديان ، كما قال:"فإنهم لمحضرون": الصافات: 127 والضمير في قوله:"عن نفسها"للنفس ولا ضير في إضافة النفس إلى ضمير النفس فإن النفس ربما يراد بها الشخص الإنساني كقوله:"من قتل نفسا بغير نفس": المائدة: 22 ، وربما يراد بها التأكيد ويتحد معناها بما تقدمها من المؤكد سواء كان إنسانا أو غيره ، كما يقال: الإنسان نفسه والفرس نفسه والحجر نفسه والسواد نفسه ، ويقال: نفس الإنسان ونفس الفرس ونفس الحجر ونفس السواد ، وقوله:"عن نفسها"المراد فيه بالمضاف المعنى الثاني وبالمضاف إليه المعنى الأول ، وقد دفع التعبير بالضمير بشاعة تكرار اللفظ بالإضافة ، وفي هذا المقدار كفاية عن الأبحاث الطويلة التي أوردها المفسرون.

وقوله:"يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها"الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة:"لغفور رحيم"ومجادلة النفس عن نفسها دفاعها عن نفسها وقد نسيت كل شيء وراء نفسها على خلاف ما كانت عليه في الدنيا من التعلق بكل شيء دون نفسها بنسيانها وليس ذلك إلا لظهور حقيقة الأمر عليها وهي أن الإنسان لا سبيل له إلى ما وراء نفسه ، وليس له في الحقيقة إلا أن يشتغل بنفسه.

فاليوم تأتي النفس وتحضر للحساب وهي تجادل وتصر على الدفاع عن نفسها بما تقدر عليه من الأعذار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت