فهرس الكتاب

الصفحة 2518 من 4314

و من هنا يظهر وجه اختيار ما في الآية من التعبير لبيان علمه فلم يعبر بمثل قوله:"عالم الغيب والشهادة"وقوله:"و الله بكل شيء عليم"بل قال:"و الله يعلم ما تسرون وما تعلنون"فذكر العلم بالإسرار والإعلان ، وأضافه إلى الإنسان لأن الكلام في عبادة الإنسان لربه ، والواجب في العلم بالعبادة المرتبطة بعمل الجوارح والقلب جميعا أن يكون عالما بما يسره الإنسان وما يعلنه من النية القلبية والأحوال والحركات البدنية.

وقوله:"و الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون"إشارة إلى فقدان الركن الأول من أركان الربوبية في آلهتهم الذين يدعون من دون الله ويتفرع عليه الركن الثاني وهو إيتاء النعمة ، فليس الذين يدعونهم آلهة وأربابا والله الرب.

وقوله:"أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون"إشارة إلى فقدان الركن الثالث من أركان الربوبية في أصنامهم وهو العلم بما يسرون وما يعلنون وقد بالغ في نفي ذلك فنفى أصل الحياة المستلزم لنفي مطلق العلم فضلا عن نوعه الكامل الذي هو العلم بما يسرون وما يعلنون فقال:"أموات غير أحياء"فأثبت الموت أولا وهو لا يجامع الشعور ثم أكده بنفي الحياة ثانيا.

وخص من وجوه جهلهم عدم شعورهم متى يبعث عبادهم من الناس فقال:"و ما يشعرون أيان يبعثون"أي ما يدري الأصنام أيان يبعث عبادهم فإن العبادة هي التي يجزى بها الإنسان يوم البعث فمن الواجب في الإله المعبود أن يعلم متى يوم البعث حتى يجزي عباده فيه عن عبادتهم ، وهؤلاء لا يدرون شيئا من ذلك.

ومن هنا يظهر أن أول ضميري الجمع - يشعرون - للأصنام والثاني - يبعثون - للمشركين ، وأما إرجاعهما كليهما إلى الأصنام فغير مرضي لأن العلم بالبعث مختص به سبحانه محجوب عن غيره ولا يختص الجهل به بالأصنام ، وأردأ منه قول بعضهم: إن ضميري الجمع معا في الآية عائدان إلى المشركين.

هذا.

والآيات وإن كانت مسوقة بظاهرها لنفي ربوبية الأصنام لكن البيان بعينه بأدنى دقة جار في أرباب الأصنام كالملائكة المقربين والجن والكملين من البشر والكواكب من كل ما يعبده الوثنيون فإن صفات الخلق والإنعام والعلم لا تقوم بالأصالة والاستقلال إلا بالله سبحانه ، ولا ربوبية حقيقة إلا بالأصالة والاستقلال ، فافهم.

وفي الآيتين أعني قوله:"و الذين يدعون من دون الله - إلى قوله - يبعثون"التفات من الخطاب إلى الغيبة ، ولعل النكتة فيه ذكر يوم البعث فيهما والمشركون لا يقولون به فحول الخطاب منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للتوسل بذلك إليه من غير اعتراض.

وقوله:"إلهكم إله واحد"بيان لنتيجة الحجة التي أقيمت في الآيات السابقة أي إذا كان الله سبحانه هو الواجد لما تتوقف عليه الألوهية وهي المعبودية بالحق ، وغيره تعالى ممن يدعون من دونه غير واجد لشيء مما تتوقف عليه وهو الخلق والإنعام والعلم فإلهكم الذي يحق له أن يعبد واحد ولازم معناه أنه الله عز اسمه.

في المجمع ، أربعون آية من أولها مكية والباقي من قوله:"و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم"إلى آخر السورة مدنية ، عن الحسن وقتادة ، وقيل: مكية كلها غير ثلاث آيات نزلت في انصراف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد:"و إن عاقبتم فعاقبوا"إلى آخر السورة نزلت فيما بين مكة والمدينة عن ابن عباس وعطاء والشعبي ، وفي إحدى الروايات عن ابن عباس: بعضها مكي وبعضها مدني فالمكي من أولها إلى قوله:"و لكم عذاب عظيم"، والمدني قوله:"و لا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله -: بأحسن ما كانوا يعملون".

أقول: وقد قدمنا أن الذي يعطيه السياق خلاف ذلك كله فراجع.

وفي تفسير العياشي ، عن هشام بن سالم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه"قال: إذا أخبر الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء إلى وقت فهو قوله:"أتى أمر الله فلا تستعجلوه"حتى يأتي ذلك الوقت وقال: إن الله إذا أخبر أن شيئا كائن فكأنه قد كان.

أقول: كأنه إشارة إلى أن التعبير في الآية بلفظ الماضي لتحقق الوقوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت