فهرس الكتاب

الصفحة 2840 من 4314

19 سورة مريم - 41 - 50

وَاذْكُرْ في الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنّهُ كانَ صِدِّيقًا نّبِياّ (41) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنى عَنك شيْئًا (42) يَأَبَتِ إِنى قَدْ جَاءَنى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِك فَاتّبِعْنى أَهْدِك صِرَطًا سوِيّا (43) يَأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشيْطنَ إِنّ الشيْطنَ كانَ لِلرّحْمَنِ عَصِيّا (44) يَأَبَتِ إِنى أَخَاف أَن يَمَسك عَذَابٌ مِّنَ الرّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشيْطنِ وَلِيّا (45) قَالَ أَ رَاغِبٌ أَنت عَنْ ءَالِهَتى يَإِبْرَهِيمُ لَئن لّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنّك وَاهْجُرْنى مَلِيّا (46) قَالَ سلَمٌ عَلَيْك سأَستَغْفِرُ لَك رَبى إِنّهُ كانَ بى حَفِيّا (47) وَأَعْتزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُوا رَبى عَسى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبى شقِيّا (48) فَلَمّا اعْتزَلهَُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسحَقَ وَيَعْقُوب وَُكلًا جَعَلْنَا نَبِيّا (49) وَوَهَبْنَا لهَُم مِّن رّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لهَُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيّا (50)

تشير الآيات إلى نبذة من قصة إبراهيم (عليه السلام) وهي محاجته أباه في أمر الأصنام بما آتاه الله من الهدى الفطري والمعرفة اليقينية واعتزاله إياه وقومه وآلهتهم فوهب الله له إسحاق ويعقوب وخصه بكلمة باقية في عقبه وجعل له ولأعقابه ذكرا جميلا باقيا مدى الدهر.

قوله تعالى:"و اذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا"الظاهر أن الصديق اسم مبالغة من الصدق فهو الذي يبالغ في الصدق فيقول ما يفعل ويفعل ما يقول لا مناقضة بين قوله وفعله ، وكذلك كان إبراهيم (عليه السلام) قال بالتوحيد في عالم وثني وهو وحده فحاج أباه وقومه وقاوم ملك بابل وكسر الآلهة وثبت على ما قال حتى ألقي في النار ثم اعتزلهم وما يعبدون كما وعد أباه أول يوم فوهب الله له إسحاق ويعقوب إلى آخر ما عده تعالى من مواهبه.

وقيل: إن الصديق اسم مبالغة للتصديق ، ومعناه: أنه كان كثير التصديق للحق يصدقه بقوله وفعله ، وهذا المعنى وإن وافق المعنى الأول بحسب المال لكن يبعده ندرة مجيء صيغة المبالغة من المزيد فيه.

والنبي على وزن فعيل مأخوذ من النبإ سمي به النبي لأنه عنده نبأ الغيب بوحي من الله ، وقيل: هو مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة سمي به لرفعة قدره.

قوله تعالى:"إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا"ظرف لإبراهيم حيث إن المراد بذكره وذكر نبئه وقصته كما تقدم نظيره في قوله:"و اذكر في الكتاب مريم"وأما قول من قال بكونه ظرفا لقوله:"صديقا"أو قوله:"نبيا"فهو تكلف يستبشعه الطبع السليم.

وقد نبه إبراهيم أباه فيما ألقى إليه من الخطاب أولا أن طريقه الذي يسلكه بعبادة الأصنام لغو باطل ، وثانيا أن له من العلم ما ليس عنده فليتبعه ليهديه إلى طريق الحق لأنه على خطر من ولاية الشيطان.

فقوله:"يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر"إلخ ، إنكار توبيخي لعبادته الأصنام وقد عدل من ذكر الأصنام إلى ذكر أوصافها"ما لا يسمع"إلخ ، ليشير إلى الدليل في ضمن إلقاء المدلول ويعطي الحجة في طي المدعى وهو أن عبادة الأصنام لغو باطل من وجهين: أحدهما أن العبادة إظهار الخضوع وتمثيل التذلل من العابد للمعبود فلا يستقيم إلا مع علم المعبود بذلك ، والأصنام جمادات مصورة فاقدة للشعور لا تسمع ولا تبصر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار إليه بقوله:"لا يسمع ولا يبصر".

وثانيهما: أن العبادة والدعاء ورفع الحاجة إلى شيء إنما ذلك ليجلب للعابد نفعا أو يدفع عنه ضررا فيتوقف ولا محالة على قدرة في المعبود على ذلك ، والأصنام لا قدرة لها على شيء فلا تغني عن عابدها شيئا بجلب نفع أو دفع ضرر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار إليه بقوله:"و لا يغني عنك شيئا".

وقد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن هذا الذي كان يخاطبه إبراهيم (عليه السلام) بقوله:"يا أبت"لم يكن والده وإنما كان عمه أو جده لأمه أو زوج أمه بعد وفاة والده فراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت