فهرس الكتاب

الصفحة 2866 من 4314

قوله تعالى:"و نرثه ما يقول ويأتينا فردا"المراد بوراثة ما يقول أنه سيموت ويفنى ويترك قوله: لأوتين بكفري مالا وولدا ، وقد كان خطيئة لازمة له لزوم المال للإنسان محفوظة عند الله كأنه مال ورثه بعده ففي الكلام استعارة لطيفة.

وقوله:"و يأتينا فردا"أي وحده وليس معه شيء مما كان ينتصر به ويركن إليه بحسب وهمه فمحصل الآية أنه سيأتينا وحده وليس معه إلا قوله الذي حفظناه عليه فنحاسبه على ما قال ونمد له من العذاب مدا.

هذا ما يقتضيه البناء على كون قوله في أول الآيات"لأوتين مالا وولدا"ناظرا إلى الإيتاء في الدنيا ، وأما بناء على كونه ناظرا إلى الإيتاء في الآخرة كما اختاره الأكثر فمعنى الآيات كما فسروها تعجب من الذي كفر بآياتنا وهو عاص بن وائل أو وليد بن المغيرة وقال: أقسم لأوتين إذا بعثت مالا وولدا في الجنة ، أ علم الغيب حتى يعلم أنه في الجنة؟ - وقيل: أ نظر في اللوح المحفوظ - أم اتخذ عند الرحمن عهدا بقول لا إله إلا الله حتى يدخل به الجنة - وقيل: أ قدم عملا صالحا كلا وليس الأمر كما قال - سنكتب ما يقول بأمر الحفظة أن يثبتوه في صحيفة عمله ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطالنا ملكه ويأتينا أي يأتي الآخرة فردا ليس عنده شيء من مال وولد وعدة وعدد.

في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله تعالى:"أ فرأيت الذي كفر بآياتنا - وقال لأوتين مالا وولدا"إنه العاص بن وائل بن هشام القرشي ثم السهمي وكان أحد المستهزءين ، وكان لخباب بن الأرت على العاص بن وائل حق فأتاه يتقاضاه فقال له العاص: أ لستم تزعمون أن في الجنة الذهب والفضة والحرير؟ قال: بلى. قال: فموعد ما بيني وبينك الجنة ، فو الله لأوتين فيها خيرا مما أوتيت في الدنيا.

وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد والبخاري ومسلم وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في الدلائل وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله:"أ فرأيت الذي كفر بآياتنا إلى قوله ويأتينا فردا".

أقول: وروى أيضا ما يقرب منه عن الطبراني عن خباب.

وأيضا عن سعيد بن منصور عن الحسن عن رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يسم خبابا وأيضا عن ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس عن رجال من الصحابة.

وقد تقدم أن الروايات لا تنطبق على سياق الآيات فإن الروايات صريحة في أن الكلمة إنما صدرت عن العاص بن وائل على سبيل الاستهزاء والسخرية على أن النقل القطعي أيضا يؤيد أن المشركين لم يكونوا قائلين بالبعث والنشور.

ثم الآيات تأخذ في رد كلمته بالاحتجاج ولو كانت كلمة استهزاء من غير جد لم يكن للاحتجاج عليها معنى إذ الاحتجاج لا يستقيم إلا على قول جدي وإلا كان هزلا فالروايات على صراحتها في كونها كلمة استهزاء لا تنطبق على الآية.

ولو حمل على وجه بعيد على أنه إنما قال:"لأوتين مالا وولدا"على وجه الإلزام والتبكيت لخباب من غير أن يعتقده لا على وجه الاستهزاء! لم يكن لذكر الولد مع المال وجه وكفاه أن يقول لأوتين مالا مع أن في بعض هذه الروايات أنه قال لخباب: إنكم تزعمون أنكم ترجعون إلى مال وولد ولم يعهد من مسلمي صدر الإسلام شيوع القول بأن في الجنة توالدا وتناسلا ولا وقعت في شيء من القرآن إشارة إلى ذلك.

هذا أولا.

ولم يكن للقسم والتأكيد البالغ في قوله:"لأوتين"وجه إذ الإلزام والتبكيت لا حاجة فيه إلى تأكيد.

وهذا ثانيا.

ولم يكن لإطلاق الإيتاء في قوله"لأوتين"من دون أن يقيده بالجنة أو الآخرة دفعا للبس نكتة ظاهرة.

وهذا ثالثا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت