6 سورة الأنعام - 12 - 18
قُل لِّمَن مّا في السمَوَتِ وَالأَرْضِ قُل لِّلّهِ كَتَب عَلى نَفْسِهِ الرّحْمَةَ لَيَجْمَعَنّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لا رَيْب فِيهِ الّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سكَنَ في الّيْلِ وَالنهَارِ وَهُوَ السمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَ غَيرَ اللّهِ أَتخِذُ وَلِيّا فَاطِرِ السمَوَتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطعِمُ وَلا يُطعَمُ قُلْ إِنى أُمِرْت أَنْ أَكونَ أَوّلَ مَنْ أَسلَمَ وَلا تَكُونَنّ مِنَ الْمُشرِكِينَ (14) قُلْ إِنى أَخَاف إِنْ عَصيْت رَبى عَذَاب يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مّن يُصرَف عَنْهُ يَوْمَئذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِك الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِن يَمْسسك اللّهُ بِضرٍّ فَلا كاشِف لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يَمْسسك بخَيرٍ فَهُوَ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَْكِيمُ الخَْبِيرُ (18)
فريق من الآيات تحتج على المشركين في أمر التوحيد والمعاد فالآيتان الأوليان تتضمنان البرهان على المعاد ، وبقية الآيات وهي خمس مسوقة للتوحيد تقيم البرهان على ذلك من وجهين على ما سيأتي.
قوله تعالى:"قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله"شروع في البرهنة على المعاد ، ومحصله أن الله تعالى مالك ما في السماوات والأرض جميعا له أن يتصرف فيها كيف شاء وأراد ، وقد اتصف سبحانه بصفة الرحمة وهي رفع حاجة كل محتاج وإيصال كل شيء إلى ما يستحقه وإفاضته عليه وعدة من عباده ومنهم الإنسان صالحون لحياة خالدة مستعدون لأن يسعدوا فيها فهو بمقتضى ملكه ورحمته سيتصرف فيهم بحشرهم وإعطائهم ما يستحقونه البتة.
فقوله تعالى:"قل لمن ما في السماوات والأرض"إلخ ، يتضمن إحدى مقدمات الحجة وقوله:"كتب على نفسه الرحمة"يتضمن مقدمة أخرى ، وقوله:"و له ما سكن في الليل والنهار"إلخ ، مقدمة أخرى ثالثة بمنزلة الجزء من الحجة.
فقوله تعالى:"قل لمن ما في السماوات والأرض"إلخ ، يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم عمن يملك السماوات والأرض وله التصرف فيها بما شاء من غير مانع يمنعه ، وهو الله سبحانه من غير شك لأن غيره حتى الأصنام وأرباب الأصنام التي يدعوها المشركون هي كسائر الخلقة ينتهي خلقها وأمرها إليه تعالى فهو المالك لما في السماوات والأرض جميعا.
ولكون المسئول عنه معلوما بينا عند السائل والمسئول جميعا والخصم معترف به لم يحتج إلى صدور الجواب عن الخصم واعترافه به بلسانه ، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر هو الجواب ويتكفل ذلك لتتم الحجة من غير انتظار ما لجوابهم.
والسؤال عن الخصم ، ومباشرة السائل بنفسه الجواب كلاهما من السلائق البديعة الدائرة في سرد الحجج ، يقول المنعم لمن أنعم عليه فكفر بنعمته: من الذي أطعمك وسقاك وكساك؟ أنا الذي فعل ذلك بك ومن بها عليك وأنت تجازيني بالكفر.
وبالجملة ثبت بهذا السؤال والجواب أن الله سبحانه هو المالك على الإطلاق فله التصرف فيها بما شاء من إحياء ورزق وإماتة وبعث بعد الموت من غير أن يمنعه من ذلك مانع كدقة في العمل وموت وغيبة واختلال وغير ذلك.
وبهذا تمت إحدى مقدمات الحجة فألحقها المقدمة الأخرى وهي قوله: كتب على نفسه الرحمة.
قوله تعالى:"كتب على نفسه الرحمة"الكتابة هو الإثبات والقضاء الحتم ، وإذ كانت الرحمة - وهي إفاضة النعمة على مستحقها وإيصال الشيء إلى سعادته التي تليق به - من صفاته تعالى الفعلية صح أن ينسب إلى كتابته تعالى ، والمعنى: أوجب على نفسه الرحمة وإفاضة النعم وإنزال الخير لمن يستحقه.
ونظيره في نسبة الفعل إلى الكتابة ونحوها قوله تعالى:"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي": المجادلة: 21 وقوله:"فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: 23 وأما صفات الذات كالحياة والعلم والقدرة فلا تصح نسبتها إلى الكتابة ونحوها البتة لا يقال: كتب على نفسه الحياة والعلم والقدرة.
ولازم كتابة الرحمة على نفسه - كما تقدم - أن يتم نعمته عليهم بجمعهم ليوم القيامة ليجزيهم بأقوالهم وأعمالهم فيفوز به المؤمنون ويخسر غيرهم.